قصائد غادة السمان
ابن زيدون يستجوب ولادة العاشقة
14 September,2014
قصائد غادة السمان
عاشقة تروي حرائقها الأندلسية
14 September,2014

هوامش على فاتورة دمشقية

مقالات غادة السمان

مقالات غادة السمان

هوامش على فاتورة دمشقية

هذا الصباح وجدت رسالة في المجلة بإنتظاري . ظرفها مصفر كأنما أحرقتها الشمس وهي تركض سنوات بحثاً عني من قارة الى اخرى ، وقد طمس المطر ختمها العتيق فلم أتبين للوهلة الأولى كلماته .. اسم المرسل غير موجود ، وثمة طابعان دمشقيان يعلنان فقط عن هويتها .
رسالة من دمشق !
عشرة أعوام وأنا انتظر أن تكتب لي أمي العظيمة دمشق .. عشرة أعوام من الصمت حتى ظننتها نسيتني !
ترى من وقعها لي ؟ قاسيون؟الغوطة؟ ساحة النجمة حيث تربيت وكبرت وحزمت حقائبي ورحلت؟.. وان كتبت لي دمشق ، فماذا تقول لي ؟ بحرقة تذكرت ليالي وليالي وأنا أنتظر رسالة دمشق لي .. في كل مدينة تشردت فيها انتظرت أن يأتيني هذا الظرف المحروق بالشمس والريح ، المغسول بالمطر والثلج ، اللاهث خلفي .. أذكر جيداً انني سقطت في فخ الغربة في لندن عام 1967 بعد وفاة أبي بأشهر . يومها كتبت غلى دمشق ، وبالضبط كتبت الى صديق لوالدي . قلت له أن احد السفراء العرب هناك توسط لي لدى جريدة”الديلي اكسبرس” اللندنية للعمل فيها بالاضافة الى عملي مع “البي.بي سي” وانني بدلاً من أن أفرح أصبت يهلع مروع .. أحسست انني لو قبلت فسينطبق فخ الغربة علي نهائياً وسأسقط فيه بعجز أية فأرة صغيرة تطبق اسنان الفخ على عنقها . كان الفرج الوحيد في العودة الى دمشق ، ولكن “عرابي” لم يرد.
دمشق لم تكتب لي مباشرة.
وكنت أنهض مع كل فجر على صوت الحمام اللندني الحزين الذي يبدأ أول ضربة في سيمفونية الفجر هناك ، وكان ينوح مثل فريق من الندابين استأجرته روح شريرة ليرثي موتي اليومي مع كل يوم جديد أحياه . وكنت أقبع تحت الفجر الرمادي مثل سجين يجلده البرد والانتظار ، وانتظر ..وانتظر .. حتى يأتي ساعي البريد ، وأسمع الصوت الأليف لسقوط الرسائل على الأرض .. وأركض الى الرسائل بحثاً عن رسالة “عرابي” .. ولا أجدها .. وأحمل زجاجة الحليب التي يتركها البائع كل صباح قرب الرسائل ويصير للحليب طعم السم .
يوم ويوم ويوم .. ولم تأت رسالة صديق الوالد الذي رباني طفلة .. ولم يقل لي حتى لماذا حكمت بالسجن 3 أشهر . لقد تبلغت الحكم الغيابي حتى دون ان اعرف السبب! كنت تماماً مثل سجين كافكا ، محكوم بلا جرم يعرفه .(وحتى حين علمت بأن السبب في الحكم هو قانون رجعي المفعول يدينني لأنني من حملة الشهادات العالية وقد تركت عملي في دمشق ورحلت دون إذن ، لم أشعر بأنني مذنبة .. ولو أحسست بالذنب لرحلت إلى السجن على أول طائرة ولأصررت على الدخول اليه حتى خارج أوقات الدوام الرسمية للسجان .. وحتى بعد أعوام حينما اصدر الرئيس حافظ الأسد عفواً عاماً عن “جريمتي” لم أشعر بأنه غفر لي بقدر ماشعرت بأنه قام بفعل محبة اذ مسح خطأ قام به آخرون .. بأنني مذنبة سابقة، وانما شعرت بأن دمشق عادت لتدفئني بحبها ) .
ولكن رسالة صديق الوالد لم تصل . وقررت : لاريب في أن دمشق تحب أن تكتب مباشرة لاطفالها المشردين في غابة الحياة .. وان رسالة منها لابد وان تصلني ذات يوم .. ورغم الصمت المطبق ، لم اسقط نهائياً في فخ الغربة .. كان جسدي يركض في اوربا بجنون الشهية الى الحياة والرغبة في اكتشاف الاشياء ، وكانت جذوري تمعن تشبثاً بتربة آسيا وتتغلغل في حنايا ترابها مثل طفل يدفق وجهه في جسد أمه العظيمة .. وكنت كل ليلة احلم بأنني اسير في دمشق .. في شوارعها . كانت قبيلة معارفي تهاجمني بوجوهها ثم تذوب بلا رحمة في القطرات الاولى لليقظة .
وكانت الرسائل تصلني من الجميع ، الامن دمشق .. وكنت أمزق رسائل الأحباء بحنق ، فقد كان لها في غربتي طعم حزمة من الغاردينيا تقدم لامرأة جائعة تفضل رغيف خبز .. ولم يكن من الممكن أن يداوي جوعي المسعور للحنان غير رغيف حب دمشقي . مرت أعوام فقدت خلالها أعضائي النفسية عضواً بعد آخر على شوارع المدن التي تشردت فيها .. كنت أخلف في كل مدينة جزءاً من طاقتي على الفرح . وأيضاً كنت ، في جنيف ، كوبنهاغن ، زوريخ ، باريس ، روما ، كنت أنهض مع الفجر لاسأل موظف الفندق أو صاحبة الدار عن رسائل لي رغم أن أحداً لم يكن يعرف عنواني .. كنت واثقة من أن دمشق ستكتب لي وانها تعرف عنواني . وصحيح ان الطفل يقطع حبل سرته حين يغادر رحم أمه ، لكنه يوم يغادر رحم وطنه يزداد الحبل الذي يربطه به سماكة وثخنا حتى يتحول الى جسر لاتهدمه كل الزلازل العاطفية .. وكان ذلك الجسر الذي يشدني الى دمشق يكبر كل يوم كالجسد الحي . وينبض ويخفق مع نبض الانتظار في قلبي ..
وكنت اشيخ بسرعة ، لقد كبرت في أعوام الف عام واحرقني صقيع اوروبا ، وجرفني نهر الحزن الذي لا عودة منه ، ولكنني ظللت انتظر رسالة أمي دمشق كي تعيد الي الطفولة والفرح العتيق ..وأخيراً جاءت الرسالة !
هل يمكن أن تكون هذه الرسالة أمامي المصفرة كوجه لوحته الشمس وغبار السفر ، الا الرسالة المنتظرة من أمي دمشق ؟
ترى باية لغة تخاطبني ؟ وهل ستفوح من الرسالة حين افتحها رائحة البارود والياسمين ؟ وبأي حبر تختار أن تكتب ؟ بالأخضر من نسغ الغوطة أم بالأحمر من بردى ممزوجة بتراب جبل الشيخ ؟ وخطها ، هل يمكن أن يكون إلا قريباً من خط الأطفال والأنبياء لا من خطاطي الرقعي والثلث في التكايا ؟
وكيف تبدأ رسالتها إلي ؟ هل تقول لي ” ابنتي الضالة ، عودي الى رحم حناني ، فقد طال عذابك ! عودي يانزف قلبي فقد اشتقت لبلابلي المشردة ؟”
أم تراها تبدأني بالعتب “لماذا ياليلى الضائعة في الغابة تركت بيتك الآمن وتبعت الذئب ؟” أم تراها تعرف أن الحماس والشهية الى المعرفة ، اللذان رضعتهما فيها ، هما ما حرضني على أن أقذف ببوليصات التأمين من النوافذ ، واحرق كل الوصايا الأجتماعية المتوارثة التي تقدم مواصفات جاهزة محددة لطبخ وجبة الاستقرار ، راكضة في العالم الواسع باحثة عن حقيقته وحقيقتي بلا خوف ولا ندم ؟
تراها تكتب لي عبارة واحدة فقط “بوركت يا ابنتي الشجاعة ” أم تراها ترسل على رأسي غضبها كصاعقة محرقة “فلتحرق اللعنة حنجرتك كلما ضحكت “؟
ومزقت غلاف دمشق لاقرأ الرسالة .. لم تكن مكتوبة بحبر بردى وتراب قاسيون ، ولا بخط الاطفال والاولياء . وانما كانت رسالة مطبوعة على الآلة الكاتبة ! ولم تكن رسالة حب أو عتب أو شوق أو غفران أو لعنة .. كانت فاتورة !
أجل ، فاتورة من احدى المؤسسات التي عملت فيها منذ عشرة أعوام ، قبل رحيلي ، تطلبني بمبلغ 115 ليرة وفرنك واحد فقط لا غير، فروق رواتب مقبوضة من قبلي ، الى آخره الى آخره الى آخره ..
فاتورة ؟
ولو جلست وإياك يادمشق حول مائدة مستديرة وأبرزت فواتيرك كلها لما قلت لك غير كلمة واحدة :”انك عمري ! .. لفواتيرك عمري الضئيل الذي لايكفي ، ولا يعني أكثر من عمر بعوضة صغيرة تقف لبرهة فوق نافذة دهرك المشرعة على أفق التاريخ ..”
دمشق ، لك عمري ،
لا 115 ليرة وفرنك واحد فقط لاغير !
وهذي السطور أكتبها لك على الهوامش البيض للفاتورة ..
آه كم كتبت لك ! على البخار المتكاثف فوق زجاج مدن نائية باردة .. على حقول الثلج كتبت لك . على الطاولات في حانات حزينة ، على جدران الطائرات الملاصقة لمقعدي كتبت لك . فوق خشب صالات الترانزيت في المطارات ، على بطاقات التطعيم ، فوق غيتاري كتبت لك . على أرصفة لندن بالطبشور الملون رسمتك وحرست اسمك من المطر .
آه كم كتبت لك ! وهذي السطور أكتبها لك اليوم على الهوامش البيض للفاتورة .. وكم انتظرت وسأظل أنتظر رسالتك !
وسأسأل عنها وأنا أحتضر

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>