غادة السمان
غادة السمان إنهم يدّعون الشمس تشرق من اسرائيل
11 March,2015
Arresting Suffocation moment
<<1>> من رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان
20 April,2016

لقاء مع القراء (2): الراسخون في «الإنترنت» غادة السمان

غادة السمان

غادة السمان

لقاء مع القراء (2): الراسخون في «الإنترنت» غادة السمان

 

أبدأ اليوم مع القارئ الذي كتب لي عاتباً لأنني قصرت في التوقف أمام سخاء قلمه الذي يغمرني به باستمرار مشكوراً.. فهو كما فهمت منه الأخ الذي يرسل دائماً الرسالة الأولى لأنه «القارئ الأول آخر الليل». ويبدو أنني مدينة له بتوضيح: أن لا أرد على رسالة ما فور قراءتها لا يعني أنني أقترف تقويم صاحبها «خارج مجال الكتابة « كما كتب لي «قارئ آخر الليل»، ولكنه يعني ببساطة أن (عمودي) لا يتسع للأسف إلا للقليل من الردود، وأنني أنتظر باستمرار مناسبة تكون فيها رسالة القارئ الأستثنائي محوراً.
ليلة استلمت رسالة فائق محمود الناطور مثلاً رددت عليها فوراً فقد تصادف أنني أحببت ليلتها التذكير بغسان كنفاني وقضيته الفلسطينية. رسالة الناطور منحتني الفرصة لذلك.. وهنالك رسائل قد لا أرد عليها فور وصولها وقد أفعل بعد فترة كما فعلت اليوم مع رسالة القارئ أورتيغا منعم وكانت قد وصلتني منذ شهرين ونيف.. ثم إنني أذكر أسم الأخ صاحب الرسالة بل الساعة التي تكرم فيها بالكتابة لي لأن اسمه ليس بحوزتي.
أعترف: الراسخون في الإنترنت لست منهم للأسف، وسبق لي الإعتراف مرات بأنني ممنوعة بأمر الطبيب من معاقرة تلك الأداة العصرية (الكمبيوتر) التي تبدل وستبدل جانبا من حياة كوكبنا على نحو ما.. (أذكر على سبيل المثال أن معظم مكاتب شركات الطيران أغلقت أبوابها في باريس وصديق يقوم بحجز بطاقات السفر لي على الإنترنت وغير ذلك لا يحصى. واطلاعي على رسائل القراء الإلكترونية يتم بفضل موظف في «دار الطليعة» ومنشوراتي يرسلها لي بالفاكس إلى باريس..) وهي للأسف تخلو من أي أسم غير الأسماء التي تكرم أصحابها بإرسالها كجزء من رسائلهم. وانتهز الفرصة لأرجوهم ذلك سواء كانت الأسماء حقيقية أو مستعارة لتسهيل ردي عليها بدلاً من ذكر ساعة وصولها!! فقد تلقيت للتو مثلا «التغريدات» تعليقاً على مقالي «قبل أن تهاجر، فكر» وأرغب في الحوار مع معظمها في «لحظة حرية»، ولكن لا اسم واحداً جاءني معها!..

زاد الاتصال وتضاؤل التواصل؟

لأنني عاصرت «بريد القراء» كرسائل مكتوبة، والبريد الإلكتروني بعد ذلك، لاحظت فارقاً بينهما.. ولكل منهما مزاياه وعلله. «الأيميل» جعل الاتصال في كل لحظة متاحاً والتواصل من كل أقطار العالم ممكناً بلمسة على أزرار. وذلك رائع اذ يتيح أيصال ردة الفعل وهي ساخنة كرغيف شهي. القارئ مثلا لم يعد مضطراً لشراء مغلف وطابع بريدي ليرسل بسطوره على «ورق الورد» أو «ورق الدخان».. بالمقابل الرسائل البريدية يستطيع من يتلقاها استجوابها، فهي وشاية ممن أرسلها: نوع الورق: رائحته.. لونه.. طريقة الكتابة على ورق مسطر أم لا.. خط يميل صعوداً أو نزولاً.. يد مرتجفة أم ثابتة.
ذلك كله يغيب عن مراسلات الكمبيوتر وربما كان ذلك أفضل حيث يتعامل المرء من «جوهر النص» ولا يلعب دور المحقق «المتلصص» في معاقرته للرسائل.. وينتفي العامل الشخصي إلى حد بعيد.. ولكن الرسائل المكتوبة تتضمن ملامسة قلب الآخر عبر عوامل كثيرة.. وأذكر مثلاً أنني كتبت مرة عن الطبيب السوري الشهير الدكتور عزة مريدن، الرجل الذي ترك توقيعه على جسدي بالمعنى الحرفي. فقد كان طبيبي وأنا طفلة ولقحني ضد الجدري وكأي طفل متمرد شاغبت على اللقاح والتهب مرات وترك ندبة عميقة كأنها توقيع عزة مريدن. وكتب لي الطبيب رسالة شكر لأنني لم أنس فضله على عافية جيل سوري من (الأولاد) وأنا منهم. في رسالته خط شديد الارتجاف كخط بياني للقلب المتعب الراعش والروح التي ترفض الاستسلام لأرض اللامبالاة.. وتأثرت.. وشت الرسالة به، وعرفت أنه مريض ومتعب ولكن عاطفته تزداد نضارة ورحل بعد استلامي لرسالته بفترة قصيرة.
الرسالة المكتوبة تتيح تواصلاً شخصياً حميماً إذ لا يتكبد عناءها إلا من لديه نازع قوي للتواصل عدوانيا كان أم (حبياً).. في ذلك الزمان طبعاً.
ترى هل كلمة «أحبك» على الإنترنت يختلف وقعها عنها في بطاقة بريدية بحبر أخضر أو بنفسجي؟ ألا يقول اختيار البطاقة البريدية الشيء الكثير؟ هل البريد الإلكتروني يزيد الاتصال ويقلل من التواصل؟ فقد لاحظت أن بعضاً من رسائل القراء لا يرد على جوهر ما قاله قارئ آخر بل يتخذه ذريعة أو مشجعاً يعلق عليه رأيه الخاص الذي قد لا تكون له صلة بموضوع الحوار الافتراضي.. كأن البعض يقوم بالغناء المنفرد في الظلام كما الآخر، كما في مسرحيات بيكيت ويونيسكو وألبي وبقية مسرحيات اللامعقول، دونما تواصل وربما بغزارة في الاتصال!.. هذا انطباع مبدئي كله إشارات استفهام ولم أصل بعد إلى رأي نهائي حول «الاتصال والتواصل».. فأنا لست من الراسخين في علم دنيا الكمبيوتر والإنترنت والإيميل وأخواتهم.. وأترك الرأي للقراء الراسخين في هذا الحقل.

رنى سنداحة وجمعية «يوم القدس»

على الرغم من أن الكاتبة الشابة رنى سنداحة (كريمة الأديب الراحل إبن القدس ميشيل سنداحة) واحدة من «الراسخين في الإنترنت»، إلا أنها احتفظت بالفاكس أيضا لمراسلة «الراسبين في الإنترنت» من أمثالي.. تصلني منها رسائل مكتوبة خفيفة الظل وعميقة هي أحياناً بطاقة بريدية طولها حوالي المتر (دونما مبالغة). هذه المرة تلقيت مغلفاً بطول نصف متر وعرض مسطرة وتوقعتُ أن أضحك وأخطأ ظني.. بل دمعت.. انها روزنامة لسنة 2015، شبيهة بيد تحرك سكيناً في القلب. أصدرتها «جمعية يوم القدس» وتحمل عنوان: من الفن الفلسطيني. صفحة لكل شهر بخطين الأحمر والأخضر، للتواريخ بالتقويم الإسلامي الهجري والآخر الميلادي.. ويوم القدس هو كل يوم في قلبي بالتقويمات كلها!
الروزنامة تضم في كل صفحة لوحة لفنان فلسطيني مبدع. اثنتا عشرة لوحة بعدد شهور السنة للفنانين الفلسطينيين المبدعين بالترتيب الذي وردت فيه لوحاتهم في الروزنامة: نبيل العناني ـ سليمان منصور ـ تيسير شرف ـ عصام بدر ـ إسماعيل شموط ـ تمام الأكحل ـ طالب الدويك ـ جمانة الحسيني ـ عبدالرحمن أبو عرفة ـ محمد الجالوس ـ محمد بشناق ـ عساف أبو لين.
جاء أختيار اللوحات الرائعة فنيا، ممعنا في تحريك السكين داخل الجرح الفلسطيني في قلوبنا أو على الأقل في قلوب الذين يعتقدون أن (أم الشرور) هي الاحتلال الظالم لأرض فلسطين وتشريد شعبها وهي بالتالي ليست قضية العرب فحسب بل والشعوب كلها. لوحات فنية راقية حقاً في روزنامة علقتها على جدار غرفة نومي فتسللت لتطيل أمد أرقي المزمن.
هذه لوحة من الرائعة جمانة الحسيني التي شاهدت عملاً لها لا ينسى على جدار بيت الشاعر محمود درويش في مرحلته البيروتية في شارع جانبي متفرع عن شارع الحمراء، وكان وقتئذ متزوجا من قريبة لي غالية على قلبي.. ولم تسرقني من اللوحة مجموعة «الأصداف» التي جمعاها وكانت في نظري من فنون «المبدع البحر» شاطرتني في الإعجاب صديقتي النخلة العراقية الحميمة بلقيس زوجة نزار قباني.
وأذكر أيضاً لقائي بالزوجين المبدعين تمام الأكحل وإسماعيل شموط، منذ ألف عام (1)، لقاء ترك أثراً عميقاً فلسطينياً في شرخ روحي، وبعدها التقيت مع بشير الداعوق وتزوجنا بعد اللقاء الأول بشهرين، ولم يدهشني قوله لي أن شعار منشوراته «دار الطليعة» من تصميم إسماعيل شموط وهدية منه، وعلى جدار مكتبه أشار إلى لوحة رائعة قائلاً: هذه اللوحة هدية من الفنانة الكبيرة تمام الأكحل زوجته.
لكل لوحة في (الروزنامة) الفلسطينية حكاية مع الجرح الفلسطيني في قلبي وقلوب الكثيرين ولا يتسع المجال للمزيد من انطباعاتي هذه ناهيك عن إهداء الحبيبة رنى مشيرة إلى صداقتي ووالدها الراحل قائلة «من ذكرى والدي» والروزنامة تحمل روحه حية إلى قلبي.. ذلك الفلسطيني النبيل الذي كان الدين عنده محبة ـ كما تجلى في مجلة ترأس تحريرها. ولم يكن الدين لديه أطلاق رصاص أعمى على أبرياء ذنبهم زيارة متحف عربي أعجاباً بحضارتنا.

نحن نقتتل والعدو سعيد والقدس تبكي

تقوم «جمعية يوم القدس»: «من الفن الفلسطيني» لا يقرأ من عنوانه، ففي كل شهر نقرأ تاريخا فلسطينياً كدنا ننساه في غمرة اقتتالنا الداخلي كعرب ثم كطوائف وكملل.. ثم كأخوة في أسرة واحدة تاهت في دهاليز البيت العربي الكبير.
أذكر على سبيل المثال ما جاء بحروف قصيرة مقتضبة بالعربية والانكليزية وفي كعب الصفحة المكرسة لشهر شباط/ فبراير مثلاً: (شباط 2010): الكيان الصهيوني يضم المسجد الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم إلى التراث العبري.
25 شباط/ فبراير 1994 ارتكب المجرم الصهيوني غولدشتاين مذبحة الحرم الإبراهيمي الشريف.
وهكذا في كل شهر تاريخ يحرك السكين في الجرح العتيق ولوحة فنية مبدعة تذكرنا بما جاء في كتاب إسماعيل شموط «الفن الفلسطيني» حيث قال: شكل الجرح الفلسطيني المفتوح مادة هامة للفنانين التشكيليين الفلسطينيين في ظل محاولات سلطات الاحتلال سرقة موروث الأمة وتزوير تاريخها.
هذه روزنامة لن ترمي بها مطلع عام 2016 بل ستعلقها على جدار قلبك.. إنها روزنامة علقتها على جدار قلبي أترحم عبرها على فلسطين اليوم وعلى ميشيل سنداحة.

أورتيغا منعم: المواطن العربي المبرمج
من «سان سلفادور» وصلتني رسالة من أورتيغا أواسط شهر كانون الثاني/ يناير 2015 ومما جاء فيها استفساره حول فرنسا حرية الكلمة والفكر صرخته: لماذا لا زالوا يفكرون بالعقلية الاستعمارية وعلى أننا أقل منهم في كل شيء.. سيدتي لماذا الغرب.. يكيل بمكيالين.. مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994!.
لم تتصف أية مجزرة صهيونية بحق شعبنا على مدى نصف قرن بما وصفت به المجزرة البشعة المروعة التي اقترفها الإرهابي الصهيوني غولدشتاين بمساعدة عدد من المستوطنين الآخرين وقوات الاحتلال الصهيوني.
لقد نُفذت هذه المجزرة ضد المصلين العرب في باحة «الحرم الإبراهيمي» في مدينة الخليل فعن أي «إسلاموفوبيا» يتحدث المواطن الغربي المبرمج؟ وجوابي يا عزيزي القارئ أننا نساهم في برمجته ضدنا حين نرتكب المجازر وآخرها مجزرة في المتحف التونسي ونذبح بالسكين أمام الكاميرا بريئا ذنبه أنه ولد في بلد غربي ونحرق طياراً أردنيا في قفص وندمر الحضارات التاريخية والقائمة تطول.
ومعظم المتقاتلين مشغول عن عصرنا بحروب علي وعثمان والسنة والشيعة وقد نواجه حروب حنفي شافعي حنبلي قياساً على ما يدور.. والصهيونية تتقن توظيف أخطائنا.
وختاماً أتمنى على الراسخين في الإنترنت الذين لا أرد على رسائلهم ألا يتوهموا ذلك تقصيراً في تقدير قيمتهم الفكرية، لكن الرد على عشرات الرسائل محال وبعضها يستحق وقفة مطولة، كما اليوم مع اورتيغا منعم من السان سلفادور ورسالته وصلت قبل أكثر من شهرين مع الشكر على الاتصال والتواصل في آن.

غادة السمان

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>