قصائد غادة السمان
بومة متحفظة عاشقة
14 September,2014
قصائد غادة السمان
بومة عاشقة متشائمة
14 September,2014

لعنة اللحم الأسمر (قصة)

Arresting Suffocation moment

قصائد-غادة-السمان-1024x288

لعنة اللحم الأسمر (قصة)

وفي كل ليلة يا صديقي ، حينما تنزلق المدينة في أحضان الظلمة والصمت ، وتنام عيون أهلي في الدار ، انسلّ أنا من فراشي واتسلل بصمت اللصوص الى غرفة المكتبة كما اتسلل الآن . وفي كل ليلة يا صديقي ، اتحسس جدران الممشى في الظلمة فأحسها طويلة مخيفة كدروب الأساطير ، مطلية بوجوه صغيرة نافرة تقفز فجأة أمام وجهي ثقيلة الأجفان حادة الأنياب ، فاصطدم بها ، باللاشئ ، واتعثر بالشاطر حسن وعلي بابا والساحرة ، وبأبطال الحكايا التي كانت تقصها عليّ أمي أيام طفولتي ، واود لو اصرخ كما اود الآن ، وامد يدي أمامي لاتأكد من أن لا أحد كما أمدها الآن . انني اتماسك. لن اصرخ. اريد أن أصل الى المكتبة ، واريد أن اشعل عود البخور في الركن المعتم ، واريد ان اقبع أمام الهاتف كاهنة عذراء ساذجة ، أعدّت لك المعبد والبخور والضحية الحارة ، ولم يبق الا ان ينبعث صوتك من سماعة الهاتف وكأنما من كل مكان ، قاسياً حنوناً غامضاً .
الى غرفة المكتبة اصل . ببطء ادفع الباب . انينه الخافت يرعبني . عمي المشلول لا يمكن ان يوقظه صريره. لا . ولا صورة أمي الميتة المصلوبة على الحائط لماذا أنا خائفة ؟ نشوتي الكبرى كل ليلة في أن اتساءل : لماذا أنا خائفة ؟ كاذبة ! لست خائفة . لماذا احب ان ادعي لنفسي ذلك وأصر عليه ؟ لماذا استدعي رعشات الصبا الاولى ، امثلها كي اعيشها ، لماذا يا نفسي لم يبق لي الا ان اخدع نفسي ؟ شبح عجيب انهض كل ليلة من فراشي لأنبش مقابر الليل بحثاً عن طفولتي عن مثلي عن أوهامي . كاهنة مرعبة استميت لأبعث اصنامي ، أدّعيها ، اتبناها من جديد وانا اعرف لا جدواها
لماذا كل ليلة احدثك بالهاتف ، احيلك الى رجل مقطر في صوت ، ولا اريد منك الا الصوت ، انا التي استطيع ببساطة ان اذهب اليك ، ان اقضي ساعاتي بطولها لديك ،
فأنا امرأة عاملة ومسؤولة ؟ لماذا أعود بعد كفاح مرير لاتصرف كابنة الخامسة عشرة ؟
لماذا استدعي ظلال المراهقة : الليل والبخور وعبير الياسمين لالقاك في أفيائها ؟ اية خيبة في اللحم والدم ردتني الى أجواء الأثير ، حيث لا اتجرع الرجل الا بعد أن تحلله شحنات الليل والبخور الى رجل مقطر في صوت ، الى حلم ليلة صيف .
لا احد في المكتبة سوى خفق أنفاس الياسمين اللاهثة عبر النافذة . في الركن اثيت عود البخور ، وكما في كل ليلة تنجذب نظراتي الى صورتها الحبيبة البغيضة على الجدار . وارى ملامحها تمتد وتبهت حتى تمتزج ذراتها المشوشة بالحائط ، فأحسها من بعض الحائط ، من بعض الحجر والاسمنت . اني اكرهك يا امي ، يا بعضاً من الطلاء والحجر . لماذا انتحرت ؟ لماذا تآمرت مع عشيقك الموت ، وتركتني ومضيت ؟
اناملي يلدعها عود الثقاب الذي نسيته . اتركه يسقط على الارض. عاد كل شئ يتمرغ في أحضان الظلام . ثعابين الدخان المعطر تتصاعد ، تتاوى راقصة شفافة ، تتأوه بصمت . احسّ في تثاقلها نداء مكثفاً لدنيا عجيبة قصية هي مملكتي ، تنبسط كل ليلة حينما ينطفئ المكان والزمان وعود الثقاب ، تبدأ حدودها عند أول شعاع ترسله أضواء الشارع الباهتة في المكتبة وتمتد على طول شريط الاضواء الباهتة الممدودة في شوارع طويلة فارغة ، وتتأوى مع الشريط الذي ينطفئ في الصحاري والبحار ليلوح من جديد شاحباً متعباً في مدن اخرى سحيقة ، وانا امتلك هذه الدنيا التي احيلها جديدة مغرية بعد ان ينحسر الناس عن شوارعها الى علبهم ، وبعد ان تتوقف العجلات والحافلات وتهدأ يدا شرطي السير في جيوبه ، فيصمت عالم الدم واللحم ، عالم الخيبة ، عالم الوجوه العاجية الكامدة التي قد تستأجر البارمان كي يخلص لها الدواء وتبدأ حدود مدينتي ، مدينتي الكبيرة كل مدينة ، مدينة الصمت وعيون الشريط الكهربائي المفغورة الشاحبة ، المترقبة ابداً ، المدهوشة ابداً ، مدينة الاثير وانا سيدتها ، وانت بصوتك العجيب تبعثني ، تجدد خلقي ، تؤكد لي ان الاثير حقيقة ، وفي موجات صوتك الحادة كالبهار الاسمر اتقلب . تعلمني من جديد كيف اهجر المقايضة لأحلم واهذي واكون انا . أحبك يا رجلاً مقطراً في صوت لم تدنسه بعد لعنة الدم واللحم .
بعد دقائق اسمع دقات الساعة الاثنتى عشرة ، وحينما تغيب آخر دقة وبينما يدي ترتعد متوترة على سماعة الهاتف سيسطع في قلبي هديه ، ثم يتدفق صوتك ، يغمرني، يتوجني ملكة من اثير تضم اليها رجلاً من دخان . عود البخور العجيب يزفر أنفاسه احسبني اتحد بها . اتحلل واتمدد معها من جديد ، كثيفة غامضة تتوق الى نشوة التلاشي في حنايا مدينتها السحرية .
الساعة بدأت تدق . يلذ لي جوعي اليك . احب احاديثك . احس فيها رنة غامضة كالنحيب المكتوم ، كتوتر سر خفي تكاد الحروف تتمزق عنه .
دقة الساعة الاخيرة ماتت منذ حين . الهاتف لم يرن . سندريلا هربت من أميرها والمدينة سقطت في حضن الليل الصامت وانت لم تهتف . للمرة الاولى تتأخر , ماذا حدث ؟ لعل ساعتك تخلفت بضع دقائق . سوف انتظر . بضع ثوان لا أكثر ثم تتلقف المدينة جرعتها المخدرة .
الدقائق تمر بي شامتة ساخرة . الهاتف ميت العالم الذي ابتدعته بك ومن أجلك يهتز ، الساعة عادت تدق ، دقة واحدة . استسلم للمقعد . ارقب بذعر بصيص البخور يكاد ينطفئ . غيمة الاثير بدأت تذوب . المرئيات بدأت تتضح . وأنا أكاد اعود أنا وخوف حقيقي يغمرني .احساسي بالمدينة بدأ يعاودني . احس انني اسقط في شوارع طويلة مزدحمة تشرق عليها الشمس محرقة ثم تغيب بسرعة خاطفة للأبصار لتعود وتشرق وتغيب . والشوارع مزدحمة بأحاديث سريعة غير مفهومة وبشهوات متراكمة في عيون رجال فارقوها برهة وسوف يعودون . وهي لهم وحدهم ، في كل حجر من أحجار الرصيف آثار أقدام وعلى كل جدار بصماتهم . على كل شئ بصماتهم . عليّ أنا . أين صوتك يخدرني . عليّ أنا . اني اسقط في القبو . اني اسقط في القبو .
لما اقترب مني ذلك الابله قلت له : اني ابحث عن رجل عيناه نجمتان . دعني. قال: تعالي. أنا ابدع نجوم المدينة.
وكان له متجر كبير ورائع في زاويته قالب حاو لامرأة . قال انصهري فانصهرت ، قال انسكبي فانسكبت ، قال كوني فكنت ، واذا بي دمية من زجاج شفاف .
وانطلقت في المتجر وكان مليئاً بالدمى الحارة مثلي ، لكنهن كن سعيدات في المتجر يقضين النهار في طلاء وجوههن والصاق الشعر المستعار برؤوسهن . ووجدت انه كان قد اقتلع عيونهن واستبدلها بماسات وهاجة ، وأخذت انتحب . ولما وجد انني ابكي تذكر انه كان قد نسى شيئاً فعاد ليقتلع عيني كي لا ارى انني دمية وانه مزيج غوغائي من لحم وعرق ودم.
قال لي : اقتربي ، احب لحمك الاسمر.
صرخت : دعني ، هنالك أشياء كثيرة اخرى هي أنا
قال متحبباً: كم هو وزنك لاعرف من أنت ؟
وهربت من متجر التطوبع . هربت أحمل لعنة اللحم الأسمر . ولما التقيت بالرجل الآخر وقال لي أحبك أحستني أميرة الندى . ولما غمزت في خضرة عينيه ظلال أحمر أعرفها صرخت : سوف اكرهك حينما تلمسني ، وسوف اتلذذ طويلاً بعذابي لاني كرهتك .
وتعذبت كثيراً ، وتلذذت كثيراً ، وكرهت كثيراً . عبثاً مزقت الوجوه بأظافري بحثاً عن رجل عيناه نجمتان تمطران حناناً أخضر ، لكن الرجال الذين ضيعوا أنفسهم لا يشعرون . أين أنت يا عموداً من دخان لم أكرهه بعد ؟ لماذا لا تحدثني ؟
الساعة تدق دقتين . عود البخور انطفأ . اني اتحلل بعد أن كنت قد اتحدت به . يعاودني احساسي بثقلي النوعي . يدي عادت يدي ، وجسدي عاد جسدي ، وصدري عاد يعلو ويهبط متعباً موحياً بمباهج مرعبة . وانت الذي رفضت ان اراك البارحة وكل بارحة اتمنى لو انك الآن أمامي . لأن البخور عاد رماداً دقيقاً تافهاً والياسمين انحسر والليل عاد ليلاً بشرياً مشحوناً باصداء غناء جماعي في ليال تعبق برائحة الشواء الحار والضحك والشرب . وانا اضج برغبات كاهنة شهوانية في معبد من جليد . لماذا احقد عليك وانا من بعض لعنة اللحم والدم؟ لماذا احقد على الظلال الحمر في عيون الآخرين وانا من بعض حرارة الظل ووهجه وعن؟ أنا لا أدري من أنا ، اني اتمزق . اني عذاب الماء تعشق النار ، يضمها جسد واحد . لماذا لم تخدرني بصوتك الليلة ؟
لا مفر من ان اشعل النور .
تسطع الاشياء . المكتبة . صورة أمي . أنا وأشيائي الممزقة . حاجتي إليك . لم أعد اقوى على الانتظار . انهار . اعبد القوة في انهياري . اتحدى نفسي . سوف اهتف لك . لا ريب في ان رفضي الدائم جعلك تسأم وتمضي متمرداً على قدر الاثير . سوف اهتف لك . قد تكون انت رجلي الذي يستطيع ان يخلق لي التعايش بين النار والماء . لماذا اغلف رغبتي بك بالأمل ؟ فلأعترف ، لقد ادمنتك ولا خيار لي . وان فشلت ، فلن أكون غبية أكثر مما كنت .
سوف اهتف لك واضرب لك موعداً . سوف اذهب الآن إليك . ارفع سماعة الهاتف واضعها على اذني . لا اسمع اي صوت . اضغط باصبعي على زره عبثاً .
لا صوت . لا صدى . يجرون حفرياتهم في شارعنا .
وبعد أن يجمد كل مافي الغرفة فترة طويلة ، أنا والحائط والصورة والهواء ، تقهقه الساعة شامتة ثلاث دقات.

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>