مقالات غادة السمان
خيط الحصى الحمر
18 September,2014
مقالات غادة السمان
فزّاع طيور آخر
18 September,2014

كوابيس بيروت – 60

مقالات غادة السمان

مقالات غادة السمان

كوابيس بيروت – 60

كابوس 60

ما زلت انتظر الغروب لازور جيراني ، مخلوقات بائع الحيوانات الاليفة ، اتابع قراءة الصحف العتيقة المكدسة في بيتنا . وتبدو لي التسلية الوحيدة الممكنة وفي الوقت ذاته تبدو لي تعذيباً . اقرأ واقرأ . من أول يوم سجنت فيه وانا اعيد قرائتها. اراها بعين جديدة. كل خبر صار له مغزى جديد ودلالة مختلفة .

قرأت الاعلان التالي : من مسلماني وسمير الى اهلهم في منطقة النبطية. نحن بخير فاطمئنوا !!

غمرني رعب لا حدود له . انها النهاية . لا اثر للحضارة بعد اليوم حولنا . الهاتف اختراع تم بعد العصر الحجري ونحن عدنا الى العصر الحجري. ولعلي اقرأ الصحف القديمة واتمسح بكتبي كي اؤكد لنفسي انني اعيش في هذا العصر المفروض انه عصر الفضاء. ربما كان هنالك مركبة فضائية تنطلق في هذه اللحظة من الارض الى كوكب ما لاكتشافه ومع ذلك ما يزال في كوكبنا من يحيا عذابات العصر الحجري! الصحف وحدها تجعلني اصدق لدقائق انني ما زلت في عصري نفسه ولم تختل عجلة الزمن ببيروت وتعيدها فجأة آلاف السنين الى الوراء. اية مأساة ان نعيش في وطن يصبح فيه بقاؤنا على قيد الحياة خبراً يستحق الاعلان عنه ؟ لو توقفت الصحف عن الصدور-كما سيحدث اذا تابعوا تدميرها – كيف سيتصل حسن وسمير ومحمد باسرهم ؟ وكيف سيوصلون نبأ نجاتهم من الوحوش الى اهلهم في الطرف الثاني من الغابة؟ أبالدخان على طريقة الهنود الحمر ؟ بقرع الطبول؟ بالحمام الزاجل؟

اقرأ: جاءنا مايلي : علي فادي يوسف من عرمتي وهو غير علي يوسف الذي عثر عليه مذبوحاً بأيدي (….) ، اعجبتني صيغة الاعلان . اذا نجوت فسأنشر اعلاناً اقول فيه: اعلن انني انا لست غير التي وجدت مذبوحة في مراحل مختلفة من حياتها والتي توفيت عدة مرات وقامت من رمادها ، واعلن انني ما زلت على قيد الحياة وقادرة على ان اذبح مرات عديدة ايضاً في المستقبل! هاهي الشمس وقد بدأت تلملم عباءتها الذهبية وعما قريب تلقي الطبيعة رداء الليل الاسود . حان وقت زيارتي لدكان بائع الحيوانات الاليفة .

انه الليل.

ليل المتفجرات والرعب. ليل الارواح الهائمة الغاضبة ، التي صارت صرخاتها مكتوبة بلغة الحديد والنار على وجه السماء.

وانا اتسلل خارجة من بيتي . اهبط درجات السلم. الحظ بأسي انني احنى قامتي ، ليس فقط عند النوافذ بل على طول السلم. حتى حينما اتحرك داخل البيت صرت احني قامتي . صحيح ان تجربة الرصاصة (البلياردو) علمتني ان الانحفاض تحت مستوى النوافذ لا يجدي مع الاسلحة الحديثة ، لكنني رغم كل شيء صرت احني هامتي الى ما تحت مستوى النوافذ . كانني انحني لا للرصاص وانما لمنطق الرصاص. كم هو مذل ان يتحرك الانسان اياماً واياماً وقد احنى قامته كالاحدب. حتى ولو عاد السلام الى هذه المدينة ، فانه سيجدنا قد نسينا المشي منتصبين ، وصارت مشيتنا اقرب الى مشية القردة .

انه الليل . ليل الوحشية والموت المختبيء حتى تحت اظافرك . انه ليل الدمار. وانا وصلت الى الحديقة وانعطفت الى خلف المنزل.

في البداية اخافني العراء. واخافني ان اسمع صوت الرصاص في العراء للمرة الاولى ، طوال الايام السابقة كنت اسمع صوت الرصاص وانا محتمية بالجدران او بالاثاث او ملتصقة بأي شيء . اما الان وانا اقف في الحديقة تحت السماء بجسدي الهش دونما أي نوع من الدروع والمظلات واسمع مطر الرصاص ، تعتريني رجفة مخيفة .

صوت الرصاص في العراء شيء مختلف. انه الموت وقد خلع قناعه وتقدم منك . انك انت تلك النملة في مملكة الليل الشاسعة . ركضت الى اقرب شجرة -وكانت نخلة، والتصقت بجذعها . دفنت نفسي في صدرها العاري وخيل الى انني اسمع دقات قلبها ، اسمع النسغ يركض في عروقها ، اسمع الخوف يدق طبوله داخل خشبها . ازداد التصاقاً بها. نصير شجرتين مذعورتين . نصير حياتين مذعورتين . ولكنها ستظل مكانها حتى تصيبها قنبلة او لا تصيبها . انها لا تستطيع مثلي ان تطلق ساقيها للريح. احسست بشيء من العزاء لانني انثى لا شجرة ولانني استطيع ان اركض.

آه صوت الوصاص في العراء وانا وحيدة. في البداية اخافني الى ابعد مدى . كانت كل رصاصة تستقر في جسدي انا شخصياً وكل قذيفة تنسفني انا شخصياً . ثم قررت: الرصاصة التي ستصيبني لن اسمع صوتها. والقنبلة التي ستطيح بي لن ترعبني لانني ساكون ممزقة قبل ان اجد وقتاً للرعب. فلم الخوف اذاً؟ كل ما اسمعه لا يمكن ان يؤذيني مادام كل ما سيؤذيني لا يمكن ان اسمعه . امدني هذا الخاطر ببعض القوة ، لكنني على الرغم مني ظللت ارتجف كلما دوى انفجار. سرت في الظلام باتجاه الجدار الخلفي لدكان بائع الحيوانات الاليفة. كنت اعرف جيداً مكان الاشجار والنباتات في الحديقةـ لكنني تعثرت اكثر من مرة رغم ان الظلام لم يكن دامساً تماماً. رفعت رأسي الى السماء. لا قمر. هنالك فقط بقايا مصابيح الشارع التي ما زال اكثرها يضيء. اصل الى النافذة. ضيقة وعلى مستوى الارض من ناحية الحديقة، لكنها قد تكون مرتفعة جداً بالنسبة لارض المخزن. فكيف اهبط منها؟ ربما كان علي ان آتي معي بحبل. لكنني لم اتسلق حبلاً من قبل. ترى هل الامر سهل كما في الافلام؟ كل ما يحدث لي هذه الايام سبق لي ان شاهدته في الافلام واكتشفت كم الحياة المعاشة تختلف عن تلك المغامرات التي تزيف الحياة على الشاشة. قد يكون تحت النافذة كرسي اهبط عليها. او صندوق. او احد اقفاص الحيوانات. ولكن لماذا استبق الاشياء؟ فلنحل المشكلة خطوة خطوة. المهم اولاً ان افتح النافذة قبل ان افكر بكيفية الهبوط منها.

تحسستها في الظلام. شعرت انها مكسوة بالاوساخ وبطين جاف. وان بعض الحشرات او الديدان الصغيرة تركض فوقها مذعورة لوقع اصابعي. كانت النافذة مغطاة بشريط من (المنخل) داخل اطار من الخشب. ترى هل خلفه قضبان ؟ سأعود الى البيت لاحضر مقصاً واقص به (شريط المنخل) الحديدي الذي يبدو من ملمسه المتعقر ان الصدأ قد اكله . اهز الاطار بيدي فيذهلني كم هو مخلخل، ويذهلني ان النافذة كلها قد خرجت في يدي. وخلفها لم تكن هنالك اية قضبان . أي سجن هو هذا؟ ولماذا لا يحتاط صاحب الدكان خوفاً من هرب رعاياه وعصيانهم؟ ام ان السجن ليس قفصاً فحسب بل هو اولاً رعايا اذلاء، ورعاياه من الببغاوات والقطط والفئران والكلاب والحساسين والطواويس لا يستحقون عناء كبيراً لسجنهم والاتجار بهم؟

مددت رأسي داخل المخزن عبر النافذة. كان الظلام دامساً ورائحة كريهة تفوح. والصمت التام مخيماً على المكان. تسائلت : هربوا جميعاً؟ ام ماتوا جميعاً؟ ام تراهم مثل باقي اهل الحي يقبعون في الظلام في مخابئهم مذعورين صامتين حائرين، خائري القوى؟؟ بعد قليل الفت عيناي الظلمة ، ولم اعد اشم الرائحة الكريهة كثيراً. لاحظت ان سقف المخزن ليس مرتفعاً بقدر ما كنت اتصور، وانني استطيع ان ادلي بجسدي من النافذة ثم اقفز على الارض بسهولة. ولماذا السقف المرتفع ، وهل تهم صاحب الدكان الشروط المعيشية الصحية الجيدة لحيواناته ، ام ان كل ما يعنيه هو ان يبقيهم على قيد الحياة كي يتابع اتجاره بهم ؟

انه الليل

وانا قد قفزت الى داخل الدكان. قفزتي اثارت همهمات واصواتاً غريبة . اذن لم يموتوا ولم يهربوا ، ولكنهم مثل بقية اهل الحي تماماً في حالة ذعر وخوف. هم يحسون بوجود جسم غريب داخل المكان ، ويحاولون عبر قلقهم وخوفهم الغريزي تحديد كنهه. هل هو حيوان من فصيلتهم (صديق) ام من فصيلة اخرى (عدو) ؟ وما نتيجة دخوله الى سجنهم؟ لعل كل حيوان منهم يفكر في، انا ذلك الكائن (الغريب) عن السيادة ، أي عن سيادته هو عليها وهي الان بحكم (ببغائية) ما حفظته تعلن بان دخولي الى الدكان تحد للسيادة(!). ولكن ، اية سيادة هذه؟ اية سيادة لمن يسكن قفصه ، ويقضي وجوده سلعة تباع وتشتري لاصحاب النزوات ولاثرياء من أي مكان جاءوا؟ اية سيادة لمن حياته سجن بلا نهاية؟

وصحيح ان بعضها الذي يعرض في الواجهة الخارجية يعيش في ظروف نموذجية تلفت انظار الزبائن، وتجعل الحيوانات في المزارع الاخرى المجاورة تشعر بالغيرة من ترف تلك القاطنة في شروط عصرية نموذجيةـ ولكن الاكثرية الساحقة من مخلوقات بائع الحيوانات الاليفة تعيش هنا خلف جدار التنك المرتفع الذي لونه رجل الديكور ، ورسم عليه مناظر طبيعية بديعة لشاطيء ساحر تعلوه الغابات المزروعة بالارز والقمم المتوجة بالثلوج ! اية سيادة هي هذه؟! كانت الببغاوات اول من واجه دخولي بشكل عدائي. كانت اصواتها غاضبة ومتحدية في البداية، ثم صارت خافتة. انها بحكم طبيعتها الببغائية لا تملك الا ان تكرر الاسطوانة التي حفظها اياها سيدها، لكنها يضاً بحكم بؤسها وارهاقها لا تملك الا ان تصمت او على الاقل تكف عن تكرارها بحماس . ببغاء واحد ظل يصيح : مرحباً ياضيف. انا نحبك . اشتريني. ويقول بعدها على التوالي: اطلع ياغريب . وكان الببغاء يكرر العبارتين كما لو كانتا وجهين لعملة واحدة.

ووسط هذا الليل المرعب وجدت صوت الببغاوات مضحكاً .وانفجرت اضحك بصوت عال. فانا لست من (جماعة الزبائن) اصحاب الثراء ولا اجد سبباً يدعوا لاعتباري (الغريب) غير المرغوب فيه. اليس بؤسنا واحداً؟ خوفنا واحداً؟ قلقنا وحيرتنا ومخاوفنا وبالتالي مصيرنا واحداً؟

سكتت الببغاوات. لم تبق عير همهمة جماعية كبقايا صوت مظاهرة مقهورة امام هراوات رجال الشرطة. مزيج عجيب من مواء وعواء و”هسيس”. اجل لم تكن العصافير تغرد او تزقزق بل كان صوتها اشبه بغمغمات محتضر. كان الصوت رهيباً مخيفاً مليئاً بالهول. بل كان كالصوت البعيد القادم من قبيلة من الجرحى والمحتضرين الذين ادمتهم الحرب وحرقت اطراف ثيابهم واهدابهم واقدامهم.

وحينما عادت الانفجارات شعرت ببعض الراحة..فصوت العذاب الحيواني اشد ايلاماً لقلبي حتى من صوت الرصاص المصهور في فوهات البنادق .

هدأ الرصاص. عادت الهمهمات . وسمعت نفسي اقول لهم بصوت عال: شعبي الكريم! (سمعت صوتي وخفت منه وخيل الي انني بدأت اصاب بمس من الجنون). ولكنني تابعت: ياشعبي الكريم. بلاغ رقم واحد. جئت احمل لكم الخلاص . وردت علي الحيوانات بارتفاع همهمتها التي كانت تحمل كثيرا من الخوف. صرخت بهم: صفقوا لي، وانفجرت ابكي. شعرت انني ممثل صغير بائس مهزوم يمثل وحيداً على مسرح بائس مهزوم مثله.

كانت عيناي قد الفتا الظلام النسبي تماماً . تذكرت انني هنا لاحضر لهم الطعام والماء ولاتفقد حالهم ، لا لاصاب بجنون العظمة وانصب نفسي اميرة على مملكة البائسين. الاسياد لا ينقصونهم ولكن ينقصهم الماء والغذاء وكل شيء أخر ما عدا الزعماء.

فوجئت بالطعام في اقفاصهم وبالماء ايضاً. لم يكن قد نقص ولا زاد. كان في الاقفاص ما فيه الكفاية ليعيشوا اياماً. ترى هل غامر صاحب الدمان وجاء لاطعامهم؟ اشك في ذلك. كانت نوعية الطعام سيئة، والماء ايضاً كان ملوثاً ، ولكنه كان موجوداً على كل حال.

ودوى انفجار. وعلى ضوء التماع الصاروخ الذي اضاء كالبرق لوهلة، شاهدت كل شيء في نظرة واحدة شاملة انطبعت في ذاكرتي كوشم من جمر والى الابد. شاهدت ان بعض الحيوانات جريح، كانها تقضي نصف وقتها في الذعر ، والنصف الاخر في الشجار فيما بينها. هذا السجن المروع البؤس يشحنها بعدوانية تحتاج الى تفريغ، والتفريغ يحدث للاسف عن طريق الاقتتال فيما بينها بدلاً من الهجوم الموحد على صاحب الدكان، سجانها. وشاهدت احد الطواويس فارشاً ذيله، وخيل الي انه يتباهى على ما تبقى من حيوانات، وان الكلاب الكبيرة (تتمرجل) على الكلاب الصغيرة ، والقط الكبير يفرض (الخوة) على القط الصغير، خيل الي انهم مشغولون بسفاسف فروقهم البيولوجية دون ان يلحظوا انهم يشتركون في شيء واحد : هو انهم جميعاً عبيد وسجناء. آه الحمقى، الا يرون حقيقة الامر؟ بلى. ربما كانوا يرون ذلك، فقد لاحظت في عيونهم جميهاً نظرة واحدة. نظرة دامعة مليئة بالذل والنكسار والذعر ولمسة من الغضب القلق.

اتجول بين مخلوقات دكان بائع الحيوانات الاليفة ـ وضوء الشارع يرتجف مع كل انفجار، والليل الحزين يسيل من اقفاص الحيوانات السجينة المكسورة النظرات. اتجول بينها مثل ملك اسطوري مجنون في قرية خرافية جميع سكانها من الجرحى والمشوهين والبؤساء ، وهو اشد الجميع بؤساً.

اعاود مخاطبتهم : ياشعبي الكريم . قررنا منحكم اثمن ما في الوجود . الحرية.

وكأن صوتي يقلقهم اكثر مما يرعبني (يرعبني ان اكون مشرفة حقاً على الجنون). وخلف كل جملة اصرخ بها ، تعلو همهماتهم الموحدة ، العواء المتعب للكلاب ، عواء اقرب الى المواء، ومواء القطط الشبيه بالانين، وصوت العصافير الذي لا يشبه الزقزقة ، بل هو اقرب الى اصوات شخير شيوخ محتضرين ، وشهقات الارانب ونعيب الفئران الاقرب الى صوت البوم منه الى صوت العصافير . وأمتلات الماً لحال تلك المخلوقات السجينة البائسة وقررت : سوف اطلق سراحها . سوف امنحها الحرية والفرح. وغداً حين ياتي صاحب الدكان الذي يعتاش من بيعها ، لن يجدها . سأحررها من البؤس الذي تحياه .

لحظات وافتح ابواب الاقفاص كلها ، لحظات واسمع خفق اجنحة العصافير وهي تطير عبر النافذة وفوق الاشجار الى البحر الذي لابد وانها تفتقده في سجنها المعدني ، وتهرب من هذه المدينة المجنونة الى الغابات ، لحظات وافتح باب سجن كلاب الصيد لتنطلق مجنونة تشم رائحة الليل النقي هاربة من جحيم الاسر ، لحظات وتخرج القطط وهي تموء كما لو كانت تزعرد ، وقد تمشي على قائمتين بدلاً من اربع لشدة الفرح، لحظات وتنطلق الفئران البيض وتتسلق الاغصان وتنام ملتفة باوراق الاشجار ، لحظات وتتحول كآبة هذا السجن الى مهرجان حين تمسه يد الحرية، ولكن بمن ابدأ او أي الاقفاص افتح اولاً؟ خشيت ان افتح قفص الكلاب قبل القطط ، فتطارد الكلاب القطط وتؤذيها . كان من الممكن ايضاً اطلاق الطيور قبل الكلاب والقطط معاً لئلا تنشأ معركة جوية ارضية بينها.

قررت ان تتم عملية (تحرير) مخلوقات بائع الحيوانات الاليفة على الوجه التالي : اطلاق سراح الطيور اولاً ثم الفئران . فالطواويس . فالقطط . فالكلاب . كان لابد من (التخطيط المرحلي) للعملية ، وقد فوجئت بذلك ، والا لخططت له طوال النهار. يدي ترتعد وانا افتح اقفاص الطيور كلها من حساسين وبلابل وببغاوات . شيء رائع ان نصنع الحرية . كان الباب صدئاً ، لكنه لم يكن محكم الاغلاق . صرير حاد صدر عن مزلاجه ، وبدا لي ان الطيور اجفلت قليلاً كانما اخافها صوته . فتحت الباب على مصراعيه ، وفوجئت بانها لم تتجه اليه لتطير هاربة صوب الحرية والليل والرياح والسماوات ودروب المجرة ، وانما سارت تلقائياً نحو المكان المعد لطعامها كما لو كانت عمياء او منومة مغناطسياً . لقد اعتادت ان يتم فتح باب السجن لمجرد لاطعامها ، ولعلها تظن انه اعيد اغلاقه . فتحت ابواب اقفاص الطيور ، وهالني ان عصفور منها لم يطر. كأنها نسيت الحرية . كأن خيوطاً لا مرئية تربطها بجدران سجنها . جلست اراقبها مذهولة . لم تعد المتفجرات ترعبني . لم تعد اصوات الرصاص تخيفني. مشهد الطيور القابعة في سجنها رغم الباب المفتوح ملأني بذهول وخوف لم اعرف لهما مثيلاً طوال حياتي . دائماً تخيلت الطائر جائعاً للحرية، يقضي لياليه وهو يضرب جدران القفص بجناحيه وبابه برأسه . دوماً تخيلت انني ما اكاد افتح الباب للعصافير حتى تنطلق فوراً طائرة نحو شمس الحرية. ولكن ، في هذا للبل الذليل الطويل، تبدت لي صورة مروعة للطبيعة (الحيوانية). تقدمت منها ، وحملت في يدي بطائر ، واحسست بجسده ينبض داخل يدي دافئاً وربما خائفاً ، بل خيل الي انني احس بضربات قلبه ، حملته وقذفت به نحو النافذة . فرد جناحيه قليلاً، قليلاً جداً بما فيه الكفاية ليكون سقوطه على الارض متوازناً واقل ايلاماً . واستوى واقفاً على قدميه وعاد فمشى باتجاه قفصه وطار بجناحين مضطربين ليستقر في داخله ، ثم مشى الى داخله واختبا بين بقية زملائه السجناء. صعقني المشهد . فانطلقت كالمجنونة افتح ابواب الاقفاص جميعاً ، واصرخ بها جميعاً . فكانت تهرب من موقع الباب وتمعن هرباً الى ابعد بقعة داخل السجن وبعضهم يحتمي ببعض . كأن الحرية غول قابع بانتظارها . كانها نسيت كل شيء عن الطبيعة والسماء والركض والتحليق والسباحة ، نسيت كل شيء عن الحرية والفرح وتحضير رزقها ومتع الصيد في دروب الفصول الاربعة ، مكتفية بنصيب يقيم اودها بينما هي مختبئة داخل اوكارها مذعورة من الرصاص راضيه بهذا السجن الخامل مسلمة امرها الى الاقدار. والى سيدها صاجب الدكان . ذكرتني بحال اهل حينا ، حيث يهدأ القتال في اوائل كل شهر، فيذهب كل واحد لقبض واتبه او نصف راتبه او ربعه كما يشاء له رب عمله ، ويعود بعدها راكضاً الى بيته ، القفص ، حاملاً ما استطاع تخزينه من طعام ، قابعاً في عاصفة الريح والنار والجموم مكتفياً من حياته باحط انواع الوجود البيولوجي.

كانت ابواب سجون دكان بائع الحيوانات الاليفة كلها مفتوحة ، ولم يهرب احد عبر النافذة . بعض القطط مد برأسه من باب السجن دون ان يُخرج جسده منها . كلب خرج وتجول قليلاً في ارض الدكان – السجن- ثم عاد الى القفص المعد له بالذات . لم يفكر حتى بالدخول الى قفص آخر على الاقل . شعرت بان المشهد يثير جنوني . فتركت الدكان وانطلقت هاربة . تسلقت النافذة ، وخرجت منها كما دخلت ، واعدت اطارها الى مكانه ، ولم احكم اقفالها بحيث تستطيع الحيوانات الخروج منها فيما لو حاولت او رغبت حقاً بذلك . في الخارج كان الليل بانتظاري ، بارداً وكئيباً ، والرصاص لا يهدأ.

ركضت الى النخلة ، ودفنت وجههي في جذعها الرطب وفاحت في انفي رائحة الارض . وبكيت طويلاً طويلاً وقد الصقت صدري بصدرها . وخيل الي انها لم تعد خشباً ، وان جذعها رق لي ، وهززت الى بجذع النحلة ، وخيل الي ان شيئاً رطباً نقياً يتساقط على ، وشعرت ببعض السلام يغمر روحي الممزقة

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>