مقالات غادة السمان
كوابيس بيروت 12و13و16
18 September,2014
مقالات غادة السمان
هاربة من منبع الشمس
18 September,2014

كوابيس بيروت 2,3,4,6,10,

مقالات غادة السمان

مقالات غادة السمان

كوابيس بيروت 2,3,4,6,10,

كابوس 2

حين غادرت سيارتي ذلك الصباح ، ودخلت الى البيت سالمة – حتى اشعار آخر – لم اكن ادري انها المرة الاخيرة التي ساغادر فيها بيتي بعد اعوام طويلة .. وانني منذ اللحظة التي اغلقت الباب خلفي ، اغلقته ايضاً بين وبين الحياة والامن ..وصرت سجينة كابوس سيطول ويطول..

وانني عدت واخي الى البيت لنلعب دور السجناء ..ولو علمنا لتزودنا بشيء من الطعام في درب العودة .. ولو علمنا ربما لما عدنا ..ولو .. ولو .. وزرعنا “لو” في حقول الندم ، فنبتت كلمة ياليت.

كابوس 3

لم نكن قد سمعنا الراديو بعد . فقط حينما عدت : تذكرت انني للمرة الاولى منذ شهر غادرت البيت دون ان استمع الى ارشادات المذيع شريف ، او اغسل وجهي على الاقل ..

وحين انصت اليه ، كان الاوان قد فات . كان المسلحون يحتلون فندق “هوليدي ان” المواجه لبيتنا الصغير العتيق والذي يطل فوق اعلى طوابقنا (الثالث) . كما يشرف جبل من الاسمنت 3,والحديد فوق كوخ لفلاح مسالم في قعر الوادي …

بعدها فقط استيقظت وادركت انني كاعزل محكوم بالاقامة الجبرية وسط ساحة معركة ! …فاتصلت بالبقال لاطلب مؤونة من الطعام . لا جواب . تلفنت لدكاكين الحي كلها . لا احد يرد . تلفنت للجيران ، فرد ابنهم امين مدهوشاً ، اين تعيشين ؟ الا تعرفين ما يدور حولك ؟

كابوس 4

اين اعيش ؟

ردني سؤاله الى واقع مروع . اعيش في ساحة حرب ولا املك أي سلاح ولا اتقن استعمال أي شيء غير هذا النحيل الراكض على الورق بين اصابعي تاركاً سطوره المرتجفة كآثار دماء جريح يزحف فوق حقل مزروع بالقطن الابيض .

اين اعيش ؟ يبدو انني اسكن بيتاً من الشعر (بكسر الشين) . وسادتي محشوة بالاساطير ، وغطائي مجلدات فلسفية ، وكل ثوراتي وقتلاي تحدث في حقول الابجدية وقذائف اللغة.

اين تعيشين؟ ودوى انفجار .. وشعرت بوخزة : لماذا لم اتعلم المقاتلة بالسلاح – لا بالقلم وحده – من اجل ما اؤمن به …؟ كم هو خافت صوت صرير قلمي على الورق حين يدوي صوت انفحار ما ..وقررت : ان الوقت ليس وقتاً لتقريع الذات على عادة الادباء الذين يقعون في ازمة ضمير كلما شب قتال ويشعرون بلا جدوى القلم … المهم ان اعيش ، فالحياة هي وحدها الضمان لتصليح أي خطأ اذا اقتنعت فيما بعد انني على خطأ..والوقت ليس وقت مراجعة ذاتية او حوارات فلسفية .. كانت الانفجارات تتلاحق ، وقررت ان اواجه الواقع الملموس حالياً وان احدد موقعي من ساحة الحرب بطريقة عسكرية ، واحصائية !

كابوس 6

هدأ الرصاص قليلاً..

اقتربت من النافذة … كذلك فعلت الام التي تقطن في الدور الثالث من البناء المقابل لبيتي . وكان البقال العجوز يضع لها بعض ارغفة الخبز في سلة مربوطة بحبل وقد وفقت هي خلف خشب النافذة وادلت اليه بالحبل دون ان تخرج حتى يدها .. اما هو فقد احتمى بمدخل البناء.

كان الهدوء شاملاً ، وتخيلت ان المقاتلين يغسلون وجوههم ويبردون اسلحتهم .. وقررت ان انادي البقال – المغامر وامارس الشيء ذاته .

وبدأت السيدة ترفع السلة المربوطة بالحبل ببطء شديد . وقررت : لابد ان يديها ترتعدان الان ! … ولكن السلة كانت ترتفع باستمرار وكان حبلها دقيقاً حتى بدت مثل سلة تصعد في الفضاء نحو الخائفين ، حاملة رغيف السلام .. لاحظت ان عيون بقية الجيران المختبئين خلف النوافذ كانت ايضاً تتابع طيران سلة الخبز في الفضاء ، واحسست ان قلوبنا حيعاً مثل قلب واحد يصلي من اجلها ..كأن السلة صارت طفلاً .. طفل المحبة والامان والتواصل مع عالم البسطاء..

وظلت السلة تعلو حتى وصلت الى حدود الطابق الثاني ، والصمت المتوتر ما زال يسود …

وفجأة انطلقت رصاصة .

لا ادري هل سمعنا صوتها اولاً ام شاهدنا السلة تهوي في الفراغ مثل رجل سقط من الشرفة .

وفهمنا جميعاً بومضة برق مدلول ما حدث : هنالك قناص ما اطلق رصاصة على الحبل الرفيع .

لقد عرض مهارته امام اهل الحي جميعاً . لقد قال لنا جميعاً : انني قادر على اصابة أي هدف مهما كان دقيقاً ونحيلاً. قلوبكم كلها تحت مرماي . شرايينكم كلها استطيع ان اثقبها شرياناً شرياناً . استطيع ان اصوب داخل بؤبؤ عيونكم دون خطأ . استطيع ان اصوب رصاصتي الى أي جزء يحلو لي من اجسادكم ؟

وحين هوت السلة ، شعرت بان الحي كله تحول الى قلب واحد يتنهد بغضة . وادركنا اننا جميعاً سجناء ذلك الغول الغامض المختبيء في مكان ما والذي يتحكم بدورتنا الدموية والعقلية والنفسية لمجرد انه يمتلك بندقية ذات منظار تدرب عليها بعض الوقت .. ولتذهب الى الجحيم كل الساعات التي قضيناها في الجامعات والمختبرات لنتعلم !

وحين سقطت السلة ، سقطت آمالنا معها وتكومت على الرضيف جثة تحتضر . حين سقطت السلة ، حزنا كما لو ان طفلاً سقط من على دولاب مدينة الملاهي وانطفأت الاضواء والضحكات كلها دفعة واحدة ..كان واضحاً اننا فهمنا جميعاً رسالة القناص . ومن ساعتها اغلق خشب نوافذ الحي كلها باحكام ..ولم تفتح!

وداعاً ايها الشمس !.

كابوس 10

هدأ الرصاص قليلاً…

لم يبق الا الليل والصمت … صمت غامض متوتر .. خيل الي انني اسمع اصواتاً خافتة..أصوات استغاثة ..ظننتني واهمة ، ثم تذكرت دكان بائع الحيوانات الاليفة المجاور لنا …لعل صاحبها يعمل قناصاً مثلاً ، وهو مشغول عن رعايتها واطعامها بصنع الدمار (ام تراه لا يستطيع الوصول اليها؟)

وتخيلتها داخل اقفاصها ..تشم رائحة البارود والنار ، وتلتقط كهارب الخطر … لكنها عاجزة عن الهرب ، وعاجزة عن الدفاع عن نفسها ..اين صاحبها الذي اعتاش من الاتجار بهاوبيعها وشرائها؟..

الم يسجنها بأسم تامين العيش (الكريم) لها؟ ..ولماذا يغيب عنها مع غياب الزبائن والصفقات وقدوم الخطر؟… اين صاحب دكان الحيوانات الاليفة؟ تراه لملم ثروته التي جمعها من بيعها وهرب بها الى اوربا مع من هرب؟

(اتذكره . في وجهه قسوة لا يخفيها تهذيبه البروتوكيلي مع الزبائن . مرة رافقت زميلة الى دكانة . كانت ترغب في شراء قط سيامي تعرف مواصفاته جيداً: ازرق العينين. بني الاذنين . ابيض الجسد . بني الذيل . وعبثاً حاولت اقناعها بانها بحاجة الى انجاب طفل بدلاً من الهرب الى تبني قط . كانت ما تزال تعشق صديقها المتزوج الذي لن يطلق ام اولاده ولن يتزوجها . كان يغدق عليها النقود كتعويض (عطل وضرر) عن شبابها المهدور ، وكانت فيما يبدو راضية بالصفقة مع حبيبها الثري ، وقد قررت تتويج قصة الحب بتبني قط ، ما دام انجابه غير ممكن .

دخلنا الى الدكان ..الجزء الخاص بالغرباء-والقادمين من الخارج لاتمام صفقاتهم-نظيف وجميل ومرتب كانك في دكان سويسري ، وفيه كل ملاهي عصرنا الاستهلاكي كما في شارع الحمراء وطريق المطار وصالة الترانزيت والروشة والكازينو مثلاً …وقفت صديقتي في هذا القسم النظيف العصري المفروش (بالستينلس ستيل) و (الموكيت) اما انا ، فتجاوزت اسوار الدكان السياحية الى الداخل ..وكان صوت صديقتي يتناهى الي وهي تعرض طلبها : اريد قطاً سيامياً – ابن عيلة – ازرق العينين اسود الشاربين نبي الذنب ابيض الجسد ..وكان صاحب الدكان يرد: كل طلباتك موجودة. والاسعار متهاودة..ساحضر لك ثلاثة قطط تختارين منها بنفسك ..قالت : اترك اختيار القط لذوقك ..ورن الهاتف وانشغل في حوار -صفقة حول كلاب للصيد وكنت اتسلل الى ماوراء السور الديكور الذي يحجب حقيقة وضع بضاعته ..

خلف السور ، كانت الاقفاص المختلفة الاحجام والاشكال مرصوصة ومتلاصقة كما في مقابر الفقراء …الشمس لا تطالها ولا الرياح ولا الندى ولا السماء الزرقاء ..وداخل الاقفاص كانت هناك مجموعة كائنات حية تشبه البشر في تنوعها : كلاب مختلفة الانواع ..قطط رمادية وبلدية وشامية ..ارانب بيضاء جمر العيون ..فئران بيض . فئران ملونة ..اسماك ملونة صغيرة تسبح في “الاكواريوم” المضيء كانها فراشات مائية ..عصافير مكسورة الخاطر والجناح ..بلبل وحسون وببغاء وغيرها …حيوانات من مختلف الالوان والاشكال والامزجة يجمعها القفص ، والسجن ، والبؤس ..كانت متعبة ، فلا القطط تموء تماماً ولا الكلاب تعوي جيداً ولا العصافير تغني ..وتسائلت : تراه يضع دواء مخدراً في اوعية الماء الخاصة بها ؟ ام انه لا يطعمها بما فيه الكفاية لتكون قوية فتثور وتضرب رأسها بالقفص وتعض يد السجان والزبون ، البائع والشاري ؟

كانت عيناي قد الفتا الظلمة النسبية بالداخل ، ورغم موسيقى الجرك العالية التي حرص صاحب الدكان على وضعها في (الجناح السياحي) من دكانه ، فقد استطعت ان اسمع الصوت الموحد الحزين لشعب الحيوانات الاليفة في الاقفاص … كان يشبه صوتاً قادماً للمرضى والجرحى والمتعبين ، لكنه صوت تهديدي شرس الوعيد … كان من الواضح ان البائع يطعمها بما فيه الكفاية لتبقى على قيد الحياة فقط ، كي يظل قادراً على بيعها ، يسقيها مياهاً نصف ملوثة ، ويخرجها الى النور حينما تكاد تحتضر ، وهمه الوحيد ابقاؤها حية كي لا تموت ويخسر تجارته . ولكن ، اية تجارة؟ هذا موضوع آخر لا يهمه . علاقتها مع الشمس والغابات والبحار والليل والقمر وافراح المواسم والحرية ، كل هذه امور لا تعنيه مطلقاً..

وفجأة وجدته خلفي . جاء ليحمل لصديقتي الحيوان المطلوب . فتح احد الاقفاص . اخرج منها قطاً حشر حشراً في مجال حيوي ضيق مع سبعة قطط أخرى من نوعه ، لاخظت ان بعضها جريح ، ولعلها في غمرة ضيقها بسجنها وبؤسها وسوء وضعها ، تقتتل فيما بينها ، ويعض بعضها بعضها ، وصاحب الدكان يرحب دونما شك بهذه الظاهرة حيث يعض البؤساء كل منهم صاحبه ، بدلاً من ان يهجموا جميعاً عليه هو مرة واحدة..هو العدو الحقيقي…

اخرج القط من القفص واغلقه بعناية . التقت نظرتنا . كان من الواضح انه فهم انني افهم ما يدور وان ذلك لم يعجبه ابداً . قال بصلف : ممنوع دخول الزبائن الى المخزن !

قلت : لست زبونة . انا من الفريق الاخر …

وتمت الصفقة بين رفيقتي المدحورة عاطفياً المتلهية بهمومها الشخصية عن حقيقة ما يدور ..ودفعت ثمن القط ، وخرجت بعد ان زودها البائع باسم طبيب بيطري من المفروض ان تذهب اليه فوراً لتلقيح القط وقص اضافره! البائع اولاً ، ثم البيطري ، وربما بعده الصيدلي . وبعده لا ادري ماذا من حلقة مافيا المنتفعين .. وحين خرجت صديقتي بالقط لاخظت ان (راعي) الدكان تنهد الصعداء . كان سعيداً بخلاصه من فم اضافي يجب اطعامه. لم اشعر بأية عاطفة تربط بين صاحب الدكان وشعبه من الحيوانات الاليفة .. انه يخرجها من اقفاصها ويعيدها اليها دون ان يرف له قلب ! …وحتى في السجون ، ثمة علاقة انسانية تنشأ بين السجان وسجينه (وكلاهما من طبقة مسحوقة واحدة ) ، اما صاحب الدكان ، فلم الحظ ان بينه وبين “رعيته” لمسة حنان واحدة ..لا جسر بينهما غير المصالح …

وهو قادر على ترويضها جميعاً ، خانعها وشرسها ، بالتجويع والسجن والاذلال وشروط العيش الرديء بحيث لا تقوم لها قائمة في وجه طغيانه ولا مبالاته …

وذهبنا الى عيادة الطبيب البيطري وكانت فخمة ونظيفة وخاصة بطبقة القطط المرفهة .. ولا ادري لماذا تذكرت مشهد امرأة كانت تضع طفلها تحت خيمة في عكار وقد تمسكت بغصن شجرة وهي تصرخ دون طبيب او معين او قطعة قطن واحدة ..كنت قد ذهبت يومها لكتابة تحقيق صحفي عن مجاهل عكار ، وشاهدت يومها كيف يولد الاطفال ليتعمدوا بالتراب فوراً … فقد وضعت طفلها الذي تلقته منها ارض الحقل وامتزج دمه بالاشواك ، ثم امسكت بحجر وقطعت به حبل الخلاص ، بينما وقفت انا مذهولة امام وجهها المتجلد الصامد الشبيه بالصخرة التي كنت قد تحجرت قربها !

ودخلنا بالقط الى عيادة الطبيب، وبمساعدة الممرضة وصديقتي تم الامساك بالقط وقص اضافره ، وكان هو يضرخ بما تبقى له من قوة مناضلاً للابقاء على سلاحه الطبيعي بينما المجهول يحيط به من كل جانب …

وبعد عملية قص الاظافر ، جاء الطبيب بابرة غرسها في فخذ القط ، وتذكرت انا بهلع ان طفل الفلاحة العكارية قد يكون قد مات الان لانه لم يجد من يلقحه …وبعد ذلك قرر الطبيب ان من الضروري اعطاء القطة جرعات محدودة من الفاليوم كي لا تبحث عن قط تمارس معه ما تمارس ، وتحمل ، لانها ما رالت صغيرة السن!.. والحمل خطر على صحتها العزيزة .

وهنا جنت رفيقتي . قطة لا قط ؟ كانت تريد قطاً ذكراً . وصاحب الدكان باعها الاخ القط على انه ذكر لا انثى . تلقت النبأ بحزن شديد كأمرأة انجبت طفلتها لسابعة وقد حلف زوجها بالطلاق في حال عدم انجابها لذكر!

ثم قبلت ما هو “مكتوب عليها” وبدأت تشتم البائع الغشاش بينما البيطري يعطي جرعات فاليوم للقطة ، ثم بدأت تشتم الطبيب البيطري حين طالبتها الممرضة بالفاتورة.

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>