مقالات غادة السمان
كوابيس بيروت 23و35
18 September,2014
مقالات غادة السمان
كوابيس بيروت 2,3,4,6,10,
18 September,2014

كوابيس بيروت 12و13و16

مقالات غادة السمان

مقالات غادة السمان

كوابيس بيروت 12و13و16

كابوس 12

لم يتوقف شلال النار..

لاحظت انني جالسة على الارض ، مكومة تحت مستوى النافذة . قررت انني لا اعرف من اين ستاتي الرصاصة التي ستسقر في صدري ، وبالتالي لماذا لا اتمدد في فراشي واتعلم النوم رغم الرصاص؟

لقد عشت في ظروف لا حد لقسوتها ..واضطررت الى النوم في اماكن مسكونة بالبرد والغربة والاشباح الرمادية ، وعلمت نفسي التكيف مع ما حولي من عذاب … بل انني روضت نفسي ذات مرة على النوم ، وقد سلطت على وجهي مصباحاً كهربائياً ساطعاً .

اليوم علي ان اتعلم النوم في ساحة حرب … استجمعت ارادتي ، وكل ما اعرفه من اليوغا ، وبدأت افكك اعضاء جسدي عضواً بعد الاخر . كما لو كنت دمية عرض لواجهات المخازن . امرت ساقي اليمنى بالنوم ، ثم ساقي اليسرى . بدأت آمر اعضاء جسدي واحداً بعد الاخر بالسفر عن الزمان والمكان الى براري النوم… تاكدت ان التجربة ممكنة التحقيق ، لكنها تحتاج الى كثير من المران… فقد دوى انفجار شديد ، وانفرطت من يد دماغي جديلة الاعصاب التي كنت الملمها خيطاً بعد الاخر واسيطر بها على جسدي عضواً بعد الاخر .

وبعد فشلي هذا اصبت بنكسة . بدات اسمع الانفجارات اعلى مما كانت على حقيقتها (او هكذا خيل الي).

ثم حدث شيء غريب ، دخل جسم غريب الى الغرفة ، كائن ساخن الحيوية ، مروع النشاط ، سمعت صوته يضرب خشب الباب ثم المقعد فالسرير فالباب .. في البداية لم افهم ما حدث بالضبط ، كانت رائحة حريق خاصة تفوح من الغرفة … كانت رصاصة ما او شظية قد اخترقت طرف باب الغرفة وفجرت ساق الكرسي ثم اصطدمت بالسرير وارتدت عنه الى الباب الاخر فخرقته …ووقفت احدق مذهولة ..كانت شظايا الخشب تملأ ارض الغرفة والسرير وشعري وتغطي المجلات التناثرة على الارض ..وكنت اتامل موضعها بهلع ..فقد حفرت الخشب تماماً على عمق 10 سنتمترات على الاقل ، اما الكرسي الواطيء الذي اصابته فقد تناثر بين شظاياه بعض قطع المسامير التي صهرت وانكسرت تماماً كما لو ان مطرقة جهنمية ضربتها …

شيء آخر روعني … كنت اظن الرصاص (وهذه اول مواجهة عملية بيننا) ينطلق في خط مستقيم ثم يصيب هدفه ..اما هذه الرصاصة (ام الشظية؟) فقد تحركت في الغرفة كما لو كانت كرة بلياردو او قطاً مذعوراً … ركضت في الاتجاهات كلها هادمة نظرياتي العسكرية كلها عن السلامة في البقاء على مستوى الارض او التمدد ، فالفظيع ان مستوى انفجار (الرصاصة او الشظية) كان على مستوى خفيض جداً لا يزيد ارتفاعه اكثر من 30 سم عن الارض …وذهلت . من اين دخلت الرصاصة اياها؟ وكيف؟ وحيرني الامر حتى انساني خوفي، وخرجت الى الغرفة المجاورة من حيث بدأت الشظية (نزهتها) وخيل الى انها ربما كانت قد انطلقت من داخل المنزل ..على الجدار المقابل لاول باب ضربته ، فوجئت بندبة وقد سفط بعض الكلس والتراب عن الجدار الى الارض … اذن من هنا مرت الرصاصة .. ولكن من اين دخلت والنوافذ كلها مغلقة بالخشب والزجاج غير مكسور .. وبدأت احدق جيداً في النوافذ حين دوى انفجار ، فقرررت وقف (تحقيقاتي العسكرية) ، واغلاق (ملف القضية) مؤقتاً والهرب الى الطرف الاخر من البيت.

هذه المرة كنت خائفة حقاً ..فقد وعيت للمرة الاولى ان الرصاص لا يمشي على الصراط المستقيم وانما قد يمشي في خط متعرج كجرذ يركض من جدار الى اخر.

ووعيت ايضاً ان الرصاص لا يمشي بالضرورة فوق مستوى النوافذ ، وان القضية اكثر تعقيداً بكثير من المعلومات السطحية التي كنت قد جمعتها من السينما البوليسية والروايات ، وادركت انني اواجه عدواً اجهله تماماً ، وبهذا الشعور البائس تمددت باستسلام على اريكة في الصالون .

من كابوس 13

تمددت على الاريكة في الصالون ، وكان الظلام دامساً وجميع الانوار مطفئة … تعلقت نظراتي بشقوق النوافذ المحكمة الاغلاق المفتوحة الزجاج . كنت قد اغقلت خشبها وتركت النوافذ الزجاجية مفتوحة . هكذا قرأت في كتاب بوليسي انه من الافضل في حال الانفجارات ترك زجاج الغرف مفتوحاً كي لا يحوله الضغط الى سكاكين تتناثر في كل مكان وتنغرس في جسد الضحية . وارتعدت لهذا الخاطر . ظللت اتامل شقوق النوافذ ، (والقمريات) أي النوافذ الصغيرة المستديرة الملاصقة للسقف والتي لا خشب يغطيها وتوجد في اكثر البيوت الدمشقية والبيروتية القديمة . كان الغرض الاساسي منها ادخال مزيد من النور نهاراً الى الغرف الشاهقة الجدران، والسماح بدخول ضوء القمر اليها ليلاً …

اما الان ، فقد بدت لي القمريات المزينة بالزجاج الملون مثل اسلحة فتاكة …مثل عشرات الخناجر التي لا ادري متى يطلقها الانفجار من عقالها ..

هكذا تمددت وحيدة في قلب الظلام ، وخلف القمريات كان المنظر مذهلاً . فقد كانت الصواريخ والقنابل المتفجرة في الجو تضيء الليل كالبرق ، وتلتمع خلف القمريات مثل عاصفة برقية رعدية جهنمية لا تهدأ . احسست بخوف بالغ . ولكنني رغم كل شيء لم اتمالك نفسي من الاعجاب بجمال المشهد بينما القمريات بزجاجها الملون تسطع فجأة وتنطفيء ثم تسطع بتسارع “سيكاديلك” ساحر الالوان.

وقررت انني مثل رجل يهوي الى قاع شلالات نياجارا بينما هو ما يزال مسحوراً بجمال المشهد … او مثل شخص يسقط من الطابق الخمسين ويعجب بزهور الشرفات التي يمر بها في دربه الى الموت.

كابوس 16

لم يطل السكون..بدأت الطلقات المتقطعة بايقاعها الخفيف ايذاناً بدخول العزف الاكثر شراسة وعنفاً..

مع الانفجار الكبير الاول لملمت نفسي من موضعي على الاريكة حيث قضيت الليلة السابقة..

حاولت السيطرة على اعصابي لقضاء يوم عادي قدر الامكان كي لا اصاب بالجنون! ..كان ذلك مستحيلاً. كنت فيما مضى ابدأ يومي بمطالعة الصحف ، ولم اجدها طبعاً خلف الباب ..(لا يمكن لهم توزيها على البيوت بالمصفحات مثلاً! وحتى لو ارتدى باعة الصحف ثياباً واقية من الرصاص لما استطاعوا الوصول الى بابي حيث مركز القتال) …

ورغم معرفتي الاكيدة بان القطط نفسها لا تجرؤ على التجول في شارعنا ، لكني تلفنت الى دكاكين البقالة المجاورة …وطبعاً لم يرد احد. اقتربت من النافذة وشققتها قليلاً . كان المشهد مروعاً. كانت النوافذ كلها مغلقة . كأن الحي فرغ تماماً من سكانه . كأنهم تسللوا جميعاً هاربين تحت جنح الظلام .

وحين يهدا الرصاص ، يسود سكون متوتر مخيف ، سكون كابوسي لا يصدق ، كالسكون داخل التوابيت المغلقة منذ قرون ، سكون يجعلك تحن الى سماع أي صوت ،حتى ولو كان طلقة رصاصة . قررت الاستماع الى الراديو ، وهو اداة لا اتعامل معها عادة الا مؤخراً وللاستماع الى المذيع شريف فقط ، الذي يخاطبنا بصدق مباشر دونما حذلقات خطابية سمجة ..فاخفض صوت المذياع . بحيث لا اميز الغناء او الموسيقى او الثرثرة ، ولكني اعرف نبرة صوت شريف، وحين اسمعها ارفع صوته ، وحين ينتهي الكلام اعود الى حشو القطن في فم المذياع ..وهكذا..

اليوم ، لشدة وحشتي ، ادرت زر الراديو ، وكان المذياع يقول: قضت العاصمة ليلة هادئة ما عدا طلقات متقطعة في منطقة القنطاري وحول فندق “الهوليدي ان”.

وصرخت به : الا تخجل من هذه الكذبة؟

ولم يرد علي وانما تابع قراءة نشرة الاخبار وانتقل فوراً للحديث باسهاب عن الحرب الاهلية في …البرتغال.

صرخت به : ولكني لا الومك .. انت مجرد حنجرة ، وهم يحشونها بالمعلومات الكاذبة … انت مجرد اداة للجريمة.

لم يرد الذيع علي وانما تابع قراءة الاخبار عن انغولا .

وصرخت به: الا تخجل من هذه الكذبة ؟

ولم يرد علي وانما تابع نشرة الاخبار وانتقل فوراً للحديث باسهاب عن الحرب الاهلية في البرتغال .

وصرخت به : انت المسدس، وهم اليد والطلقة ..وحينما تقع جريمة ، يجب سجن القاتل لا المسدس.

ولم يرد المذيع علي وانما بدأ يتحدث باسهاب عن حالة الطقس.

وبدأت الانفجارات تتوالى ، وتتعالى متلاحقة ونهض اخي مذعوراً يبحث عني.

وقررت : نشرة الاخبار الحقيقية هي ما نسمعه من الريح ، لا من الراديو.

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>