Arresting Suffocation moment
الحياة سباق حواجز.. أتوافقين؟ • غادة السمان
24 January,2015
غادة السمان
مقتطفات من (الرقص مع البوم )
3 February,2015

قراءة لقصيدة امرأة البحر لغادة السمان… فتحية السعيدي

Drunken memory

ghada alsamman

قراءة لقصيدة امرأة البحر لغادة السمان… فتحية السعيدي

 

قراءة تتراوح بين الذاتية والموضوعية لنص شعري يمكن أن يقرأه كل فرد بطريقة ما، ولكن يمكن أن أزعم بأنني نفذت إلى ما بين سطور النص لأفهم بدوري هذا النزاع الدائم بين الأنا والأنت أو بين المرأة والرجل في مجتمع لا يعد غير الفشل لكل صنوف العلاقات بين البشرية، الاجتماعية منها والإنسانية

 

غادة السمان، روح تنفلت عن الزمان والمكان عندما ترسم لحن امرأة تنشد حرّية مخصوصة جدا. حرّية الذات الإنسانية التي تختنق في الأطر وفي الأنساق الاجتماعية المغلقة. حرّية الأنا وهي تنشد فهمًا من الآخر وتبلّغ رسالة واضحة بأن لا أحد يمتلكها ولا أحد بإمكانه التفريط فيها في آن. فهي “ملْك للصدى” وهي ملك للحياة وليست رهينة للموت. الحاضر عندها امتلاءٌ بالفعل، والماضي بالنسبة لها صفحة من حياة طويت بما فيها، والمستقبل هو رؤية تختصر الماضي وتتجاوزه وتستوعب الحاضر لينطلق نحو أفق أرحب ونحو سماء تنقص فيها الغيوم ما أمكن، ونحو غد هو بلا ريب غير شبيه لا بالماضي ولا بالحاضر لأنه باختصار شديد يمثل يوما جديدا لا أكثر ولا أقل. في هذه القصيدة ترسم غادة السمان بريشة الفنان تلك الرغبة الدفينة التي تحاصر بني البشر جميعهم (نساء ورجال) وتخنق يومياتهم المثقلة بالأطر وبالحدود والفواصل، تلك الرغبة في الانطلاق والتحليق والاتجاه نحو فضاء أرحب، فضاء يكون خارج كل أشكال الرسوم الهندسية وهو يتخذ البحر بوسْعه مدًى أرحب وأبقى وأشد، بكل ما يعنيه من انفتاح وغموض وصفاء وهيجان وهدوء، وبما يمتلكه من رحب ومن دفئ… إنها أيضا، رسالة لرجل/لرجال، تقول فيها بكل وضوح: بأن الحب هو مجال للحرية والتعبير عن الذات، وبأن الحب ليس امتلاك أحد لأحد، وبأنه فسحة حياة لا موت على الأرصفة وعلى كراسي المقاهي… بكلمة موجزة، الحب انتماء وليس التزام بمستلزمات العادة، بل التزام بمقتضيات الروح وبترنيمات الأنا لحظة إلغاءٍ لساعة الزمن وارتقاءً عن المكان ورسم لمعنىً ما للحياة.

 

عند هذا النص الشعري (امرأة البحر) لغادة السمان الذي تناثرت صوره ودلالاته، تناثرت أنا الأخرى في وهلة أولى، كباحثة تنازع الكلمات وتقرأ بين السطور وتبحث عن تأويل ممكن وعن إجابات لأسئلة متعدّدة منها أسئلة خارج حدود النص الشعري نفسه. من هي الشاعرة؟ ما مسارها؟ ما هي خلفياتها الفكرية والأدبية؟ كيف تنظر إلى نفسها؟ ومن الآخر بالنسبة إليها؟ ومع من تتماهى؟ وعمّا ماذا تكتب؟ وكيف تعبّر؟ وما هي استعاراتها اللغوية؟ وما هي نماذج صورة المرأة وصورة الرجل عندها؟ وغير ذلك من الأسئلة الأخرى. وفي إجابات أولى، وفي حدود المتاح من آليات التحليل والتفكيك للحقل الدلالي وللرمز اللغوي، لفت انتباهي ثنائية “المرأة والبحر”، فالمرأة أنثى والبحر ذكر، فما الذي تنشده المرأة من هذا الرجل؟ ذاك، هو السؤال اللاواعي (حسب تقديري المتواضع) الذي راود الشاعرة وهي تكتب، وتردد:

 

رسم لي بالطبشور دائرة على الجدار

وقال لي : قفي داخلها …

فانطلقت هاربة

إلى شوارع البحر.

* * *

اختارت الشاعرة الطبشور، فهو بفعل مادته يسهل محوه. هو إذن آيل إلى زوال. فهذا الطبشور الذي رسم الدائرة/ الإطار، هو في الواقع ذاك الحلم الذي يراود بني البشر (نساء أو رجال) في أن يرهن الآخر ضمن إطار ما، سواء كان إطارا اجتماعيا أو إطارا متخيّلا ومتمثلا لضروب العادة. وهو ذاك الإطار الذي يخنق الآخر بقصد أو بدون قصد ضمن حدود. هي ليست بالحدود التي تضبط بين الطرفين بعد فهم الواحد للآخر وإنما تلك الحدود التي يرغب الواحد منا فرضها على الآخر بحكم موجبات العادة وبفعل من الرغبة الأنانية التي تتجه لامتلاك الآخر في محاولة للتحكم بكل موجهاته النفسية والاجتماعية وفي محاولة أيضا، للسيطرة عليه وممارسة النفوذ. ومن هذه النقطة، يبدأ الصراع/ النزاع بين من أكون وما تريدني أن أكون؟ صراع حكم العلاقات الاجتماعية بين النساء والرجال منذ الأزل. وهو في الواقع نزاع بين التمثلات السوسيو-ثقافية وتمثلات الأنا لدورها وفعلها وذاتيتها. وهو أيضا، تجاذب وتنافر لصورتين للذات وللآخر (أي للمرأة وللرجل)، متكاملتان ومتناقضتان في آن. فما من أنا مكتملة، وما آخر في تعارض تام مع الأنا، ولكن أحدهما هو شرط لوجود الآخر ولاكتمال الوعي بالذات. وهذا يتطلّب فهما مشتركا، ومجال حياة ممكنة ترسم بدقة بينهما. وهو ما لا يحدث في سائر العلاقات الإنسانية لأنها محكومة بالعرف وبالتقاليد وبالعادة وبما ترسّخ في المخيال الجمعي من صور اجتماعية متبادلة بين الجنسين. وهذا ما عبّرت عنه غادة السمان ببراعة من خلال رسمها لصورة رمزية دالة عن هذا النزاع الذي أسميه، نزاع بين الأنا الاجتماعية المحكومة بعرف المجتمع واللاغية لذاتية الفرد وبين الأنا الإنسانية التي تستبطن المجتمع بشكل مختلف والتي تبحث دوما عن تحقيق أناها بشكل لا يفقدها حريتها ومجالات تعبيرها الذاتي المخصوص المنفلت عن الأنا الجماعي.

 

غاضباً لحق بي

غاضباً زقزق في وجهي، وقرّعني

وقال ان القضية جادة

وان “البث مباشر”

ويجب أن أعود معه إلى (الاستديو)

لأقف وسط دائرة الطباشير

وتحت دائرة الضوء

* * *

اختارت غادة السمان ثنائيات متعددة للتعبير عن الحالة الاجتماعية أو الحالة التي يتطلّبها الظرف المجتمعي. فهي حيال “قضية جادة تتطلّب بثا مباشرا” وهذا يتطلّب منها الوقوف “وسط دائرة الطباشير وتحت دائرة الضوء”. ذاك هو الوضع الذي يراد لها أن تكونه. فالحب حرام خارج دائرة الضوء في مجتمعاتنا، بل أن الحب هو موت بين الأطر. وهذا ما يفسّر كل الصعوبات والإرهاصات التي يعيشها الأزواج، إذ يتحوّلون تدريجيا إلى أركانِ إطارٍ يحمل سقفا خاوية جدرانه من كل معنى. هو في الواقع سقف المجتمع وإلزاماته دون تعديل ممكن يقومون به لحفظ خصوصيات أنواتهم بما لا يفقدهم المعنى وبما يحقق لهما امتلاء الذات بأناها. ومن هنا نقف عند ذروة التوتّر القصوى للأنا الإنسانية التي صوّرتها الشاعرة على النحو التالي:

 

مسكينة ومبتلة

كمتسول شتائي

حاولت أن أقول له

انني انا أيضاً جادة ! ..

ولكنني (أبداً أبداً)

لن أتركه يسجنني

داخل دائرة مرسومة بالطباشير

على جدار ما .. أرض ما .. مسرح ما ..

لن أتركه يسجنني،

لا باسمه، ولا باسم الحب، ولا باسم الشهرة،

ولا باسم أحد.

آه خذ قلبي، واقضمه كتفاحة

ولكن لا تسجنني داخل دائرة مغلقة ! …

* * *

إنّها الرغبة في التحرّر من ارهاصات المجتمع. وإنها الحرية بمعناها الفلسفي المخصوص الذي يقرّ ذاتية الفرد وخصوصيته وطرق تعبيره عن أناه. إنها الحالة الإنسانية التي تسعى لتحقيق الذات… تحقيق لا يلغي الآخر ولكنه يستدعيه باستمرار. ويرويه أناه وينصهر معه حينا، كتعبير عن درجة من درجات الاكتمال والتوحّد وينفصل عنه في لحظة كتعبير عن تمايز الأنا عن الأنت. هو تمايز ضروري تماما كما الاكتمال. هذه إذن، النقطة الفيصل في العلاقات الإنسانية وهي النقطة النزاع في العلاقات الاجتماعية. فإن تتطلّب العلاقات الإنسانية إقرارا بخصوصية الأنا بما تمثل من فعل حرّية ومن مجال للاستقلالية والاستقلال الذاتي، وبما تستوجبه من احترام للكرامة وللحرمة الجسدية والمعنوية، خاصة وأن العلاقات الاجتماعية في مجتمعاتنا العربية الإسلامية تحديدا، تلغي الإنسان/ الفرد. فهو ليس إلاّ تابعا لكل البنى الجماعية من أسرة، عشيرة أو عائلة كبرى، أو غيرها من البُنى الأخرى. فالمجتمع بشكل عام ضاغط وهو يمثل الأنا الأعلى بتعبير من فرويد أو هو ذاك الضمير الجمعي بتعبير من دوركايم. إنّه يعيش في دواخلنا الفردية ويتوزع في المتمثل والمتخيل فينسج حولنا منظومة كاملة من المعايير، ولكن الأنوات (أي الأفراد) يتمثلونه بطرق مختلفة تتراوح بين التمثل المحافظ والشديد التوجّس أمام كل ما هو مخالف وبين التمثّل المتحرّر من الضوابط التي وضعت عسفا لتحد من إمكانات الذات ومن قدرتها على التعبير… وبين هذين التمثلين نجد تمثلات كثيرة أخرى، تمثلات تختار إما التعارض أو التوافق مع متطلبات المجتمع دون ان يفقد الفرد خصوصيته… ولهذا وغيره، تشعر الذات المبدعة بشكل عام بأنها في نزاع مستمر بين الأنا والنحن أو بين أناها التواقة للحرية والتجلّي وبين الأنا الجماعي الكابح لتعبيرات الذات. هي لحظة من التوتر القصوى التي يمكن أن يعيشها الفرد. لحظة عبّرت عنها غادة السمان في نزاعها مع رجل “العادة” بقولها:

ها أنا ألحظ للمرة الاولى، وبرعب

ان الحرف الأول من اسمك

هو جزء من دائرة

فلا تتابع رسمها حولي !

* * *

وفي إطار هذا النزاع، وهذا القلق وهذا الرعب من الارتهان للآخر ليس لكونه فعل يحقق الاكتمال والحرية والنجاح ولكن لكونه نفي للذات المقابلة له التواقة لأن تكون هي كما هي. ها هنا، تذكّر الشاعرة ببديهيات لها رمزيتها، فتقول:

الساعة مستديرة

لكن رمل الزمن

صحارى من الأسرار

تسخر من الاشكال الهندسية.

 

وفي لحظة توكيدها عن الذات وخصوصيتها، تصرخ غادة السمان بكل ما في صوتها من قوّة احتجاجا عن الأطر/ المجتمع، مذكّرة إياه (أي الرجل)، بأنها فعل حركة وفعل انطلاق غير منسجم مع النقطة الثابتة والمحددة. فهي أنا عارية إلاّ من خصوصيتها وإن كان يحزنها أن تكون هي وهو خطان متوازيان يركضان ولا يلتقيان، فقط، لأن أحدهما يمثل الأنا الاجتماعية والآخر يمثل الإنسانية، فلم يجدا معا أرضية تقارب ممكن، ربما لأن فعل الحوار والتوافق حول مجال يجمعهما دون أن يفقد كل منهما خصوصيته لم يحصل بينهما. “فالخطان المتوازيان” لا يسمحان بأن يتبدل “شيء بينهما وفيهما”، حسب تعبير الشاعرة. وفي هذا دعوة ضمنية للآخر بأن لا يتخذ النقطة الثابتة نقطة ارتكاز بل أن يحوّلها إلى نقطة متحرّكة تسمح بالالتقاء وبإثراء الواحد منهما للآخر.

 

وأنا أكره الدائرة،

واكره المربع والمثلث

وسأخرج في مظاهرة ضد المستطيل ومتوازي الأضلاع

وكل ما هو مغلق كالسجن ! …

وحدها النقطة المتحركة أحبها

اما الخطان المتوازيان

فيثيران حزني لركضهما إلى الأبد دونما لقاء

ودون أن يتبدل شيء … بينهما … وفيهما …

* * *

وتصل الشاعرة وهي تحاكي ذاتها وهي تنازع آخرها، لتقدّم خيارها وبديلها في آن. فقد اختارت الهروب إلى “شاطئ البحر” لترسم عنده بنفس المادة السريعة الزوال (أي الطبشور) “دائرة غير مغلقة” هي دائرة الحرية. وهي بهذا تؤكد بأن الحرية ذاتها هشّة في المجتمع وبإمكانها أن تزول. وبأن الحرية رسم ذاتي يمكن أيضا أن يجد الواحد منّا له تمثّلا آخر وتصوّرا جديدا بحسب ما تستلزمه حالة العقد الاجتماعي.

توق للحرية يسكن الإنسان، قفز وتجلّ وانطلاق، تلك هي حالة من حالات الذات الإنسانية التي عبّرت عنها الشاعرة وهي تدعو حبيبها الهاربة منه والعائدة إليه عندما يتسنى له أن يلتقيها عند “تلك النقطة المتحرّكة” وقد اختارت أن تكون “البحر” بكل رمزيته ودلالته. فبالنهاية، هو استدعاء للأنت الذي لا يمكن الاستغناء عنه ولكن استدعاء آخر يكون، بشكل من الأشكال وبصورة من الصور بما يمكنهما من حياة ما لا تلغي أحدهما ولكن يتحقق الواحد منهما في الآخر. وهو تحقق لن يكون إلاّ إذا حصلت التجربة المشتركة واجتمع الثنائي في “البحر”، أي في هذا المدى الواسع والرحب ووسط “الماء” أي الحياة وذروة النشوة والانتشاء، ووسط هذا الصدى الذي هو “الأنا/الأنت” لحظة اكتمال للوعي بالذات وبالآخر.

إلى شاطئ البحر أهرب منك

وأقف وحيدة

وبطبشورة الحرية

ارسم دائرة غير مغلقة،

مفتوحة من طرفيها باتجاه البحر والافق

وأقفز داخلها،

وأركض منها إلى البحر ..

البحر .. البحر … البحر …

 

ملاحظة: هي قراءة تتراوح بين الذاتية والموضوعية لنص شعري يمكن أن يقرأه كل فرد بطريقة ما، ولكن يمكن أن أزعم بأنني نفذت إلى ما بين سطور النص لأفهم بدوري هذا النزاع الدائم بين الأنا والأنت أو بين المرأة والرجل في مجتمع لا يعد غير الفشل لكل صنوف العلاقات بين البشرية، الاجتماعية منها والإنسانية”. (أرجو أن أكون قد وفّقت)

فتحية السعيدي/ 12 أكتوبر 2013

 

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>