مقالات غادة السمان
كوابيس بيروت – 60
18 September,2014
مقالات غادة السمان
كوابيس بيروت 23و35
18 September,2014

فزّاع طيور آخر

مقالات غادة السمان

مقالات غادة السمان

فزّاع طيور آخر

تمطر تمطر
تمطر برداً رمادياً وسأماً. تمطر منذ الصباح وعلى وتيرة واحدة.. على وتيرة واحدة..
تزرعني في قطار بطئ يخترق صحارى شاسعة ميتة , وركابه لا يعرف بعضهم بعضا , وكل منهم يتحدث لغة لا يعرفها الآخر، ولا أحد يدري إلى أين يمضي, أو من أين أتى..
تمطر ببلادة واستمرار..

والقطة لم تنقطع عن نواحها في الحديقة.. نواح خافت ملتاع .. أحسه نصلا حادا لسكين تنغرس ببطء واستمرار في بطني.لا أدري لماذا لا أجرؤ على التخلص منها,كما لا أدري لماذا قتلت أطفالها منذ أسابيع ..

( في الليل سمعت مواء فظيعاً.. كانت أول مرة أسمع قطتي المدللة تعول هكذا. تبعت الصوت. وجدتها في مرسمي، قرب النافذة، وعلى الوسادة خمس قطط صغيرة تتحرك، وتزقزق.. خمسة أطفال هكذا للقطة، ودفعة واحدة!…
لا أدري لماذا انتزعتها رغم أضافرها المنشبة في يدي، وفتحت النافذة، ورميت بالقطط الخمس منها، واحداً بعد الآخر.. كانت لا تزال تنوح، وكان في عينيها اتهام حاقد مخيف.. نظرة إنسانية كتلك التي قد تطل من عيني امرأة سحلوا أولادها أمام عينيها.. على جدران المرسم كانت عشرات اللوحات لعشرات الأطفال.. ووجوههم متشابهة كأنها وجه واحد لطفل لم يلد بعد، لكنني أعرف ملامحه جيداً.. حتى أجساد الرجال في لوحاتي كان لها وجه ذلك الطفل.. حتى أجساد الأزهار، حتى أجساد الأشياء كان لها وجه طفلي الذي لم يلد.. وأنا أغلق الباب على نواحها سمعت أن مئات الأطفال في لوحاتي يبكون بمرارة وشراسة)…

تمطر تمطر
تمطر أمسية جديدة كئيبة.. ليتها تنفجر رعدا … تتمزق أحشاؤها برقاً، تهذي رياحها في شقوق النوافذ وتصفر، كي تخرس القطة , ويكف السأم عن السأم… أي شئ , أي شئ الا هذا الركود الميت الذي يصبغ أيامي في هذه الفيلا المخيفة.
وهو , رغم الصقيع مغروس على الشرفة منذ أكثر من ساعة بلا حراك….
وفزاع الطيور مغروس في آخر الحديقة بلا حراك أيضا..

( انه صامت دوما …..منذ زواجنا لم نتبادل الحديث الا نادرا…. تراه يتحدث إلى فزاعي الطيور وأشباح الحدائق) يخرجُ لفافةً أخرى( لماذا لا يقدم لفزاع الطيور سيجارة)
في أيام زواجنا الأولى كان ذلك الصمت البارد يتعسني .. يرمي بي في حديقة صفراء حلزونية يموت فيها حتى الصدى.. في أيام زواجنا الأولى كان لا يزال قادراً على اتعاسي.. طالما بحثت له عن أعذار بينما أنا أرسم وأرسم لوحات لأطفال، وأتمنى لو تصرخ لوحة يوماً، ويقفز منها طفل حي… عشرات الاعذار “انه قاض، وفي كل ما يدور ظلم لي.. ولكنه أيضاً رجل أعمال كبير.. ربما تسرب ذلك الجزء من شخصيته إلى علاقتنا.. عواطفه تخضع لقانون العرض والطلب.. ان تجهمت هش لي، وان صمت أغرقني بفصاحة مفاجئة.. ان بدوت راغبة به استخف بي، وان أعرضت عنه اشتعل وجداً”…
وتعلمت يومئذ كيف أحرق كلمات الحب الفائضة على شفتي كما يحرقون البن في البرازيل كي لا تتدنى أسعاره…

سئمت طعم الرماد…..
تمطر بين جلدي ولحمي … تمطر داخل عظامي .. في حلقي.
فأعجز عن الاجابة على سؤاله الذي يصفع وجهي مع تيار البرد المندلق من الباب : هل اتصل الطبيب وبلغك النتيجة؟
ـ لا.. لم …
ـ من؟ من اتصل اذن؟
ـ هم. ينتظرونك.
سمعت صوتي قاسيا جارحا.
ينتظرونك, قلتها كأنني أطلق عليه الرصاص .. لكنه لم يترنح ولم يسقط صريعا , وانما عاد يغلق باب الشرفة خلفه, ويخرج إلى فزاع طيوره . أسمعني أكرر: “هم” .. “هم” “ينتظرونك”..
أراهم هناك ينتظرونه ..
أراهم هناك متحفزين. يدخل الى الغرفة مجموعة من المتناقضات الناجحة … عينان هرمتان وابتسامه طفولية …. الحركة الهادئة لقاض والمظهر الرياضي لرجل أعمال وسيم..
أراهم هناك يتأملونه ..ثم سيقولون شيئا كثيرا .سيتهمونه بشئ خطير…… سيتحدثون بشراهة, كما تاكل الغربان لحما من جرح مقيد لم يمت بعد….
ولن يجيب .أعرف انه لن يدافع عن نفسه .سيظل يواجههم بالبرود نفسه الذي طالما أحرقني..

ثم سيتحدونه .لديهم شاهد اثبات سيضحك باستخفاف. سيصرخ احدهم في وجهه :اننا واثقون من التهمة .انك لم تدرس قط اضبارة متهم واحد.. كنت تهمل كل شئ، المرافعات والادعاء، كل شيء.. كنت تدخل إلى المحكمة وفي جيبك مجموعة من الأوراق المطويه. وعلى كل ورقة كتبت كلمة: مذنب، أو برئ .. وكانت أصابعك العمياء تختار في عتمه جيبك ورقة ما .. ثم تفتحها، وتقرأ ما فيها.. مذنب.. بريء.. تبعاً للصدفة العشوائية.. هكذا بلا منطق ولا تبرير.. انه ظلم.

وستمعن ابتساماً وصمتاً…
ثم الضربه الاخيرة : وشاهد الاثبات هو زوجتك!..
ربما حينئذ سيسقط اللجام عن فمك, وربما تصرخ في وجوههم كما صرخت في وجهي تلك الليلة الرهيبة منذ عام…
.. (كانت أيضاً تمطر , ولكن بشراسة.
كنت لا أزال أحبك .أعجز عن النوم اذ لم أخف وجهي في صدرك.
كنت لا أزال أومن بأن قاع بحار صمتك كنوزا نادرة.
ضوء مكتبك كان ينزلق تحت بابها المغلق ..
عارية القدمين تسللت إليك … قررت أن أعالجك بقبلة على عنقك من الخلف أجرك بها إلى السرير.
ببطء أخرس كنت أتحرك وراءك .. وقفت..وقبل أن أنحني بقبلتي، صعقني المشهد ..
فعلى المنضدة كانت هنالك عشرات من قصاصات الأوراق، وعلى كل منها لا شيء سوى كلمة “مذنب” أو كلمة “بريء”.
أما المصنف الأسود الذي جئت به معك وقلت أنك سوف تدرسه فكان على الأرض، تحت قدميك!..
شهقت .. وحينما التفت إلي، ورأيت وجهك، وتعبيره المرعب فهمت كل شيء .. في ثانية، بسرعة إلتماع البرق أدركت كل شيء .. ظل وجهك متقلص الملامح ، يتفصد عرقاً .. إذن هذا ما يخفيه صمتك؟ … لتقتل، ظللت محافظاً على منصبك كقاض، رغم نجاحك الكبير في البورصة، ومن خلف ستار.. اقتربت بوجهك مني، تذكرت الوجوه التي وصفها دانتي في جحيمه.. خفت.. أردت أن أهرب.. أمسكت بيدي وسمرتني.. عبثاً تملصت. أحسست أنني بطريقة ما محكوم علي بالموت، ولكنك لن تجرؤ على تنفيذ الحكم بنفسك..
– لن تجرؤ
– يا غبية
– لن تجرؤ.. هذه جريمة تخلف دماً وجثة..
– يا غبية
– وليست باسم العدالة
– يا غبية
– ولا تتقاضى لارتكابها راتباً.
– يا غبية.. الأمر أشد فظاعة.. أشد فظاعة..
– المفروض أنك تمثل عدالة الآلهة..
– انني أطبّقها على طريقتهم.. حاولي أن تفهمي
– هذا إلحاد. ما ذنب الالهة؟
– اني أقلدهم، باخلاص!
– وتسلم مصير الناس لعشوائية الصدفة؟..
– الصدفة إلَه العالم..
– أنت مجنون..
– وأنت غبية.. ما تزال اللعبة تنطلي عليك..

وأقنعت نفسي بأن اللعبة لم تعد تنطلي علي.. ان علي أن أصنع شيئاً أنقذ به مُثلي، وآلاف المتهمين الذين تقرر الصدفة مصيرهم.. لكنني حينما أمر بفزاع الطيور في الحديقة، كنت أدرك في ألم بالغ أنني ربما أفعل ذلك كله لأن زوجي لا يحدثني..
ولأن حياتي صارت صحراء خاوية من الصمت الميت، فإن جثة اندبها، خير من فرحة لن تجيء!..

الهاتف . ربما كان الطبيب، ربما يحمل إلي بشرى ما.. أظل جامدة.. لن أتحرك، أخشى أن يكونوا “هم” الذين “ينتظرونه”.. الخادمة “تفاحة” تدفع بطنها المنتفخ أمامها متدحرجة في الردهة. ترفع السماعة. تتمتم. تتقدم نحوي وهي تحمل الهاتف بإحدى يديها. كم هي بشعة، بشعة، بهذا الوجه الميت الذي يعبر عن لا شيء، خطوات ثور حراثة.. وهذا البطن الذي ظللت أرقبه يكبر يوماً بعد يوم وينتفخ، كيف لا تتمزق عضلاته ويسقط إلى الأرض ويتحطم ما بداخله.. كيف استطاع أي رجل في العالم أن يضاجع بهيميتها؟ كم هم مقرفون.. أمقتها، يمزقني أن أتصور أن داخل الثياب الرثة المحيطة بترهلها طفل صغير!.. وهي تملكه، وأنا لا أستطيع بكل ما أمتلكه، وبكل الرجال الذين يتابعونني بجوع، لا أستطيع أن أمتلك شيئاً كهذا!..

دقائق، وأترك السماعة تسقط من يدي…
إذن لن يكون لي طفل أبداً!.. لن لن لن ..
هكذا بلغني الطبيب الآن … حكماً قاطعاً غير قابل للتمييز أو النقض ..
لماذا؟ لا يدري.. لا أحد يدري ..
لماذا؟ ..
فوق غيمة مشدودة إلى أفق معتم أرى مئات الأوراق التي سبق ورأيتها على منضدة زوجي .. مذنب .. بريء .. عاقر .. تنجب .. مذنب .. بريء .. عاقر .. تنجب .. ثم أصابع شيطانية عابثة، تلتقط ورقة ما … ثم يقول الطبيب : آسف .. عاقر … وعلى الوسادة كانت القطة تضعهم دفعة واحدة، خمسة أطفال ..
عاقر … ربما كان لفزاع الطيور أطفالٌ مثله ولكنهم يكرهون الصمت، لذا يرحلون مع أغاني طيور الحقول ..

.
.
تمطر أنيناً خافتاً يتعالى شيئاً فشيئاً… يتحد مع نواح القطة في الحديقة … ونحن ثلاثة من فزاعي الطيور، كل منهم مغروس بعيداً عن الآخر بلا حوار ولا لقاء.. من يئن؟…
يدخل من الشرفة. لا يبدو عليه أنه يسمع أي صوت غير عادي.. يقول أنه ذاهب ولن يتأخر.
كعادته لا يسمع أي أنين. يمضي، وأرى أوراقاً ممزقة تتطاير تحت قدميه “مذنب” “بريء” “مذنب” “بريء”..
وحيدة في الدار…
الأنين يتعالى.. من أين؟ .. اني واهمة.. لا أحد في الفيلا المنعزلة سواي، والخادمة.. وبيروت لم تشتعل الليلة في ركن النافذة ضوءاً بعد الآخر.. حوت الضباب ابتلعها.. ربما كان فزاع الطيور ينتحب.. تراه يحزن؟ .. يغضب؟.. يكره، يثور؟ .. تراه يتحدث إلى زوجي “نجم”؟… يتسلل كل ليلة إلى المكتبة بساقيه القصبيتين فيجالسه ويمزقان الأوراق معاً ويكتبان “مذنب” “بريء”… لماذا لا يتزوج الرجال الصامتون من فزاعي الطيور؟… لماذا يحكم علي بلا مبرر أن أسقط في الصمت، ولن يملأ المكان طفل يصرخ محتجاً، يمزق القناع عن وجه نجم؟..
تمطر تمطر…
والأنين يستحيل صرخات متقطعة.. ربما كان أطفالي في اللوحات جياعاً.. حتى اليوم لم أجد الوسيلة التي أطعمهم بها.. ربما كانوا بحاجة إلى النزهة، وإلى اللعب.. أطفالي سجناء اللوحات، لماذا لا تطلق الآلهة سراحهم ليتدفقوا إلى العالم من جوفي، ومن بطني..
تمطر صراخاً…
من يصرخ هكذا؟… ربما كان الجسد في اللوحة التي لم أرسم وجهها بعد يحتج…
أركض إلى مرسمي. أضيء النور. لا شيء، لا أحد سوى أطفال العشرين مدقوقين إلى الجدران… واللوحة التي لما تنته بعد تنتظر وجهاً.. والنافذة مفتوحة.. والوسادة التي كانت القطة تضع أطفالها.. لا أجرؤ على الاقتراب من النافذة… يخيل إلي، أن خلفها في العتمة خمسة وجوه صغيرة لقطط أنيابها مدببة، ولو أطللت برأسي منها لغرستْ في وجهي أظافرها ومزقته..
أهرب..

لا تزال تمطر صراخاً …. الصوت ينبعث من هناك … صوت يناديني أيضاً .. لست واهمة .. أكره ليلة الأحد حينما يذهب الخدم جميعاً .. ((تفاحة)) وحدها لم أعطها إجازة منذ رأيت بطنها يكبر .. أكرهها، وأحقد على صبرها في تحمل تعذيبي .. أريد أن تظل هنا، لا أدري لماذا أحب أن أرهقها، أرها تلهث تعباً، تمسح عرقها الكريه الرائحة، تتحرك كحيوان أبله، وعبثاً أقنع نفسي أن في بطنها ماعزاً أو جرواً أو فئراناً ..
المطبخ .. ليست في المطبخ ..
غرفتها الحقيرة .. ممددة على ظهرها فوق الفراش … يداها فوق بطنها الكبير .. صامتة، وعضلات وجهها لا تزال متقلصة بتأثير ألم لم أراه قط يرتسم في ملامحها من قبل .. وجهها مؤثر ومهيب!

إلى جانبها السنارتان اللتان طالما شاهدتها تعمل بهما، وتنسج ثوباً بعد الآخر… وكنت أرى أيديَ غضة لأطفال صغار تخرج من ثقوبها التي لما تكتمل بعد، وتنمو يوماً بعد يوم مع الحياكة المستمرة.. أحس برغبة مجنونة في أن أغرس السنانير في بطنها، أغرسها حتى تمزّق أحشاءها وما فيها.. لماذا تصرخ؟ السنانبير ما زالت في موضعها. تفتح عينيها، لثانية، يلتمع فيهما انتصار انثوي مخيف.. انها تتحداني.. ثم تغرقان في عتمة ألم يرتسم في وجهها ممتزجاً بلذة عجيبة.. ألم راهبة تغتصب، ويعذبها استمتاعها بذلك!…
تتمتم متوسلة .. تريد طبيباً ..
لماذا؟ لماذا يحضر الطبيب من أجلها لا من أجلي… والطفل لها وليس لي؟..
شيء أسود يفور في اعماقي، يمتزج بانتحابها.. فقاعات سود تنعقد، تعلو، تتدفق من حلقي، من عيني، من مسامي، فقاعات سود من حامض كاوٍ تغرق كل شيء… كل شيء يهتريء يحترق، أريد أن أحتج، أن أتمرد، أن أغرق كل ما حولي بدمار حقيقي عابث… لماذا .. لماذا..؟ من .. من .. ؟ كيف..؟ متى..؟ من.. من أصدر هذا الحكم علي.؟ لماذا لن أحس داخل بطني بدبيب أقدام صغيرة، وجسد طفل يتقلب داخلي فأهب من نومي أتحسسه ريثما يملأ صراخه الدار…
أظل أرقبها بوجه ميت.. أرقب الفقاعات السود تتدفق من عيني وتغرقها.. لماذا ، من، من ، من يعبث بالأوراق ثم يبعثرها في الريح، وتحملها عشوائية الصدف “عاقر” “غير عاقر”؟ ما ذنب “نجم” ان كان قد فهم سريعاً؟.. ما ذنبه ان كان مؤمناً بإلحاده، مخلصا لفجيعته؟

يا أنا ..
تمطر تمطر خلف النافذة … تراها تمطر أيضاً في بيروت؟
لماذا لا تمطر في كل مكان في وقت واحد؟
من يوزع المطر والأطفال؟.. من جعل الصدفة عدالة؟
تمطر تمطر
والخادمة تصرخ متوسلة ..منذ أسبوع وهي تتوسل من أجل إجازة.. إذن كانت تدري..
أظل متحجرة، أتفجر حقداً أسود.. بالفقاعات السود سوف أطمرها.. أهيلها عليها أتربة قبر تخنق صرخات الطفل داخلها.. ألمها يثير شيئاً يشبه الغيرة، شياً أشد مرارة وأكثر وخزاً وبؤساً.. تصمت.
تروح في شبه اغماءة. أحس بحاجة إلى ان أرسم طفلاً!.. فلتضع طفلها وحدها. لا دخل لي في الأمر.. سأذهب أنا أيضاً إلى مرسمي واَضع طفلا جديدا.. سأتم اللوحة. أمر بالهاتف وأتجنبه. من جديد يتعالى صراخها. يستحيل عويلاً…
فلتصرخ.. لن يسمعها أحد في دارنا النائية في “اليزرة”.. فلتمت، وان استطاعت الولادة كما فعلت القطة، لن أجرؤ على أن أرمي به من النافذة.. لن أجرؤ، لأنني منذ تلك الليلة لم أعد أرى في وجوه أطفالي في اللوحات نظرات المحبة والالفة التي كانوا يغمروني بها. صاروا يتجهمون في وجهي ولا ينشدون في الليل.. صاروا يكرهونني ويخافونني.. سألد الآن طفلاً جديداً، أسكبه في لوحتي وأتخلص منهم جميعاً..
صراخها يثير في أعماقي عويلاً مشابها.. عويلا من الفقاعات السود، تياراً جياشاً من صخب أرعن متوتر كاو.. إني بحاحة لأن أرسم.. يدي تركض أمامي.. تجرني إلى المرسم.. أنا أسيرة يدي.. التيار الأسود يحرك يدي.. صراخها يثيره.. عاجزة عن السيطرة على أية عضلة في جسدي. يدي ترسم وحدها مجنونة هوجاء، في الخارج تمطر بوحشية، صراخها انتحاب ملاح مطروح على الشط تأكله “السلاطعين”.. يدي ترسم وحدها، مجنونة هوجاء..
تمطر بوحشية.. الرعد حقل الغام في الأعلى تفجره أقدام شيطانية .. البرق.. خائفة .. تصرخ.. خائفة.. خائفة.. شيء ما يقبع فوق عنقي من الخلف.. أظافر قطط شرسة أحسها تمزق لحمي.. خائفة.. في الحقل ملايين من فزاعي الطيور يركضون وقد حملوا المشاعل في موكب احتفالي مخيف.. والرعد حقل الغام لا حصر لها.. والبرق يتناوب الالتهاب على أطفال الجدار ..أرسم.. أريد أن أرسم طفلا.. لا أدري ماذا أرسم.. وفراعي الطيور يتجهون نحو النافذة.. والتيار الكهربائي انقطع.. وأطفال لوحاتي يكبرون بسرعة والبرق يحصد الوجوه ذات العيون المفقوءة.. تتجمد وجوههم وتسقط أسنانهم على الأرض ويبيض شعرهم وينوحون ثم يستحيلون فزاعي طيور جدداً يقفزون من اللوحات ومن النافذة المفتوحة وينضمون إلى الجمع الهازح تحت النافذة.. الحركة المرعبة في صرخاتها النائحة الهازجة، والريح تضرب النافذة، أريد أن أهرب لا أستطيع. يدي تقيدني إلى اللوحة فأرسم وأرسم وأعجز عن الهرب.. التيار الكهربائي عاد يضيء. عاجزة عن الهرب. ثم فجأة،
صرخة واحدة تدوي عند باب الغرفة.
المرأة الأخرى، وخيط الدماء خلفها.
ويهدأ صراخ الموكب في الأسفل. أحس أن ملايين من فزاعي الطيور يتلصصون الآن من النوافذ بأعينهم المفقوءة صامتين في شيء من الخشوع الخجل.. المرأة الأخرى تتحامل على نفسها، تدخل وتسقط فوق المقعد، والوسادة نفسها التي وضعت عليها القطة الأخرى خمسة أطفال .. تراها هي أيضاً سوف تنجب خمسة أطفال…
أراها كبيرة كبيرة، عملاقة ضخمة، في عينيها تحد آمر، قوة خلق مذهلة لا تفسر، وألم جميل مشع مرير…
من جديد أعي الأشياء…
هدوء مفجع قاس يغمرني…
تريد طبيباً وإلا ماتت ..
وأنا الحاكم المطلق..
عبثاً أتذكر مُثلي، عبثاً أوقظ في نفسي عالمي الحلو القديم، عبثاً أبحث عن وجهي الذي كان…
في اللوحة التي رسمت دون أن أعي، أجد وجهاً غريباً… مزيجاً من وجهي ووجه نجم!… مزيجاً من القسوة والفجيعة حتى اللامبالاة… ثم يخيل إلي أن اللوحة مرآة .. ابتسم فيبتسم الوجه في اللوحة.. أحرك شفتي فيحرك الوجه شفيته…
تعود إلى الأنين الذي يستحيل صراخاً.. بماذا سأحكم؟
صقيع القسوة المفجعة يغمرني …. يتحجر داخلي .. الأصوات كلها تموت عند عتبة عالمي بهدوء حقيقي، أخرج إلى غرفة مكتبة زوجي .. أجلس حيث كان يجلس… أخرج ورقة بيضاء .. أقطعها بعناية إلى قسمين .. أكتب على الأولى “سأحضر الطبيب” .. وأكتب على الثانية “لن أحضر الطبيب” .. أطوي كل منهما .. أضعهما في جيبي وأخلطهما …
ثم أسحب واحدة منها ..
أفتحها .. وأقرأ “لن أحضر الطبيب” .. حكم قاطع لا يرد ..
لا أسمع أي صوت وأنا أدخل إلى غرفتي … بهدوء وعناية أرتدي ثيابي .. أحمل مفاتيح سيارتي .. ولا أنسى أن أترك لزوجي ورقة كتبت فيها “أنا عند نورا ونيللي .. سوف نلعب البريدج مع بقية الشلة”.

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>