قصائد غادة السمان
عاشقة المباهج الماكرة
13 September,2014
قصائد غادة السمان
عاشقة تمطر الياسمين
14 September,2014

غجرية بلا مرفأ – قصة

مقالات غادة السمان

مقالات غادة السمان

غجرية بلا مرفأ – قصة

وجهك. ياحكاية تشرد جديدة تفوح منها رائحة المطر في شواطئ عذبة الحزن والدفء وجهك ، ياقلق الخضرة في عينيك ، يا شهوات روما في الملامح الصارمة.. حتام تلاحقني لعنة معبودة؟ حتام ترتسم في عتمة غرفتي وأنا اطفئ النور لانام .. فأسمع الضحكة العجيبة التي تفوح منها رائحة لفافاتك .. واتوق الى أن اتحلل ، افنى في الرائحة ضبابة منسية ..
الليل قد انتصف. الفيلم الهزلي في التلفزيون انتهي. وقهقهات جدي البريئة الجذلى واخوتي الأطفال قد هدأت .. تأملته طويلاً وهو يضحك بينهم بوجهه ذي التعابير الساذجة كوجههم رغم افاعي الزمن التي خلفت فيه آثار زحفها البطئ المرير. أحسست أني أحبه حقاً ، أتمنى لو ارسم على شفتيه ابتسامة فرح دفنت منذ أعوام مع جثة ابنته الوحيدة:أمي.. وكان هو أيضاً يتأمل جلستي إلى جانب خطيبي كمال والرضى يقطر من عينيه، ويختلس النظرات الى يدي الميتة بين يديه ليتأكد انها مازالت هناك ، وانا اترك يدي في يد كمال من أجل الابتسامة التي قررت ان ارسمها في الوجه الجليل.. بأي ثمن .. جدي المتعب المهدود لم يشك يوماً ولم يتملل يوماً مني ومن اخوتي منذ غادرنا أبي الى بلاد بعيدة مع إمرأة قيل انها فاتنة وخلف أمي المريضة لتموت سريعاً .. ورغم ضيقه من ولعي بالغناء لم يحاول أن يقف في طريقي يوماً .. ولكنه عجز عن اخفاء فرحته يوم فاجاءنا كمال المهندس الثري يحمل الى قلبه وثروته ..
تراني أقوى على الاستمرار ؟ .. ارتدي له قناع الفتاة البريئة .. تراني أقوى على الاستمرار من أجل ابتسامة جدي ؟.. ووجهك يا حكاية تشرد محببة يشدني غليه ، يشد الغجرية التائهة في أعماقي .. وضحكاتك التي اسمع فيها رنين مرساة ذهبية سعيدة لانها وجدت مرفأها .. صدرك يأمر فأي كيف اهرب والليل يسود، وجدي واخوتي قد انسحبوا الى غرفهم ، وخطيبي قد جلا، واقنعتي قد اهترأت وأنا في فراشي اعاني عذاب كل ليلة .. ادس بوجهي تحت الوسادة ابحث عن النوم لعله مختبئ تحت الوسادة فلا أجد سوى وجهك قريباً نائياً .. وافتح عيني اتأمل الستائر لعل النوم مختبئ تحت الستائر .. وابحث وراءها .. وراء اللوحة .. وراء منضدة الزينة … ازيح بأهدابي شعاع النور الخافت الذي ينسل من النافذة الصغيرة ليلقي على الأشياء ، وعلى وجهك فوق الأشياء كلها ظلا من العتب المرير ..
ويبدأ زحف الوجوه في غرفتي. ويبدأ حشد الصور التي يفجرها الارق في رأسي ..وعشرات الحكايا .. وعشرات المشاهد .. ووجهك رغم كل شئ مضئ محبب..رغم كل شئ ..أحسك تستيقظ في عروقي كما تستيقظ كل ليلة ، تتحد بي ، تنطبع ابتسامتك على شفتي وانفث من فمي دخان لفافاتك .. الوجوه..الوجوه الناقمة الغاضبة .. المستعطفة .. والوجوه التي تصرخ والتي لم تتعلم كيف تصرخ بعد.. يالهذيان الارق ، بالمدينةالمرعبة التي تستيقظ في رأسي ..
يالعمري المتعب الممزق نتفا من ذكريات .. ودوامات.. ولا املك الا أن اتذكر ..وأتذكر.. كان البحر مثقلاً بأشعة الشمس ، يرتمي كسولا عاري التوهج والملل .. وكنت انيساً وحنوناً حتى نسيت انه لقائي الاول بك .. انت الملحن الكبير الذي يبكي المدينة ويضحكها ..وأنا الفتاة الصغيرة التي تتوق لأن تمنحها لحنا لك تغنيه .. وقلت لك :
_ احب البحر هكذا .. حقيقياً عاري التعب والملل..بلاقناع من غلالة قمر..ينوه بثقل إرتماء الشمس على صدره رغم حبه لها ..
_ انه يحبها في الليل حينما تكون بعيدة .. هل رأيت البحر في الليل؟ انه وجه انسان يحب .. ملئ بالظلال والمخاوف والزفرات.
_وحينما تكون قريبة؟
_يحبها لأنه يعرف انها ستبتعد بعد حين.. الشرط الأول للحب الحقيقي هو التحرق الى اللقاء .. هو السعي لتحقيق الطمأنينة .. انه الدرب الى الغاية لا الغاية نفسها .. يبلغ اوجه في اللحظة التي تسبق ثانية اللقاء وينطفئ ..بعده بثوان ..
_انها المأساة .. ان تقضي عمرنا ركضاً وراء كأس لأننا نموت اذا لم نشرب منه .. واذا وصلنا اليه ، وشربنا منه متنا أيضاً .. في الحالة الاولى يقتلنا الحب والوجد ..وفي الحالة الثانية يقتلنا اللاحب..يقتلنا ان نفهم أنفسنا
_ولكنك صغيرة .. هل تؤمنين حقاً بما تقولين ؟
_أجل ..للأسف.
_غني..قولي أي شئ.
واغني..واغني حكاية الأعماق البكر التي لايطالها انسان .. اغني حكاية العزلة التي لامفر منها لمخلوق..كل منا في قفصه الزجاجي العازل .. نتخاطب دون أن يسمع أحدنا الآخر.. تقضي العمر تائهين في الغابات.. في الشواطئ ..بين الجزر..بلا مرفأ بلا مأوى..حتى اذا مااطل مرفأ من بعيد.. ادركنا انه ليس لنا.
_صوتك مفعم بلوعة غامضة ، ومرارة تحرك وترا دفينا في أعماق الناس جميعاً ..سوف تنجحين ..اني افهمك جيداً.
سعداء..سعداء بحكاية التشرد كنا ..لماذا تهاجمني الوجوه هكذا؟ ايها الارق الممزق لملم عن اهدابي نتف السعادة التي عرفناها .. ايتها الوجوه التي تنبع من خوري وجبني وضعفي يا وجوه الذين احبهم والذين اكرههم .. اعرف ماذا تمثلين .. اعرف انك من بعضي .. كما أن وجهه من بعضي .. وأنا أتمزق كحيوان خرافي له رأسان كل رأس يتجه الى ناحية معاكسة للآخر .. أيها الارق دع المدينة في رأسي تهدأ .. دعني انسى..مرة ، وكان الليل اسطورة خضراء تتدفق من عينيك لتملأ البحر أمامنا .مددت لي يدك،والف حكاية ضياع على كفك ولم اتردد.عانقت يدي حكايا الضياع في كفك وللمرة الاولى عرفت نشوة السحب التي تئن رعداً حينما تصعقها رعشة اللقاء .. وانبثق البرق في عيوننا واحسنت النار تنتقل من يدي الى حلقي. اخذت اتنفس بصعوبة لم اعد بحاجة الى التنفس لاحيا مادمنا هكذا..وتظاهرت بأنني أريد أن انتشل يدي من يدك كي تزيد في حصارك لها. كي تشدد قبضتك عليها حتى تفتت اصابعها وتحيلها اصبعاً واحدة جديدة تنضم الى اصابع يدها ابداً .. واستمر العراك الرائع دقائق وجيزة .. وكسمكة عشقت شبكتها استرخت يدي في يدك .. وهنا حنوت عليها،وامسكت بها من اصابعها برفق وقربتها من الشمعة الحمراء التي توسطت منضدتنا.. وكان نورها النحيل يتسلق جانب وجهك، فاحسته دفتر حنان غنياً بالكلمات الدافئة. غنياً بحنان المرافئ الغارقة في سحر أمسيات شرقية مثيرة، كنت تمسك بكفي وتقرأ في عيني وتغوص في مجاهلهما لتروى بؤس دروب مالها آخر ولتشم رائحة أمطار حزينة تلاحق الغجرية التائهة،ولتسمع صرير أبواب صدئة لم تفتح منذ زمن بعيد ونمت على الأحجار حولها نباتات الشوك والعليق لتملأ المكان بالتوحش والنفور..وقلت لي:هناك غجرية ملول.
_تحب مالها.
_لادار لها.
_ولا تحب ان يكون لها دار لانها تكره الاقنعة.. المدينة قناع ترتديه الغابة..وهي مازالت ابنة الغاب.
_هنالك رجلان يتنازعان.. احدهما يحب ان يمنحها دارا
_وقناعها يحب الدار.. وهي ترتدي قناعها كي ترسم ابتسامة على وجه الذين تحبهم وتحس انها مدينة لهم.
_والرجل الاخر لايملك لها سوى حكاية تشرد جديدة..
_وهي راضية بها لأن الدار عرض اما الغربة والحزن فحقيقة الوجود الانساني ..
وهي تبدو طفلة تبحث عن الشهرة بغنائها العذب.. لكنها كما لايعرفها احد،تعيش أحزاناً نائية سحيقة الأبعاد .. تعيش ذاتها المفعمة باللامبالاة والتشرد والتوق الى حنان تعرف انها لن تجده..
_وهي لذلك أحبت الرجل الذي يمثلها والذي يحمل لها في وجهه حكاية لامبالاة وتشرد وحنان .. ان حبها له تقديس لذاتها ..
_بل تكريس لنرجسية الفنانة فيها ..
_أرى غجرية تحب بحثها عن المرفأ أكثر مما تحب المرفأ نفسه .. سوف تكرهه اذا وجدته واذا قيدت صخوره مرساتها..
_ارثي لهذه الغجرية التي تجرجر مرساتها ومأساتها تائهة في البحار..
_بل انك تحسدينها ..انها في نظرك تمثل حقيقة الحياة.. انها تمثال عار لحقيقة الوجود البشري ..ستكونين بائسة يوم تتخلين عنها ..
_وماذا ترى أيضاً في عيني.. اقصد ..كفى..
ولعلك رأيت حقاً..ولذلك صمتت.
آه لماذا لا أملك الا ان اجتر كل شئ؟ هذا الارق الرهيب ينكأ الجروح ..يمر بعصاه السحرية على قبور الماضي فتهب الحكايا من أكفانها حية جديدة والنزف مازال حاراً في جراحها يالخيبة عمري..كيف انسى .. وكان وجهك يتألق بحيوية تشع أملاً لما قلت لي:دعينا نرحل معاً ..الى أي مكان.
كم كانت الفكرة رائعة ..لن تمزقني غيرتي بعد اليوم وانا اعرف ان زوجتك التي تغفو جانبك طوال الليل تسرق من صدرك انفاسي ..تمتصها من وسادتكما المشتركة .. سوف نبقي معاً .. نتشرد معاً .. وأنفاسك لن تكون لغيري.. وصدرك مرفأي وحدي..
ولكني رأيتكم مساء تسيرون .. انت وزوجتك واطفالك .. وكنت ارقبكم من بعيد ..أسير وراءكم كالذئبة التي صممت على أن تختطف راعي القطيع .. وببساطة تمنيت أن أمزق زوجتك .. ان افترسها،ولم اخف نفسي عن نفسي وراء قناع حنان مفتعل او رأفة مصطنعة..اني امقتها .. لكن احدى بناتك تعثرت.. وسقطت على الأرض.. فسمعت صدى بكائها بينما انحنيت انت لترفعها عن الارض بحنان .. وبكيت أنا.. بكيت في الشارع ..بكيت لأنني طالما سقطت ولم يرفعني أحد ولم يرفعني أبي لأنه كان قد هرب مع امرأة ضائعة مثلي ..
وليلتها جاء كمال يمنحني عمره .. ولم يكن على أن اسرقه كي يكون لي ..وليلتها رضيت . لا من أجل زوجتك..ولكن من أجل الطفلة التي كنتها ذات يوم .. رضيت كي لاتكبر طفلتك مثلي وتصبح غجرية مشردة بلا مرفأ ..
ولكني أرفض ان اصدق .. كيف اتركك وامضي بعيداً ؟
وحكاياتنا الحلوة الصغيرة .. والناس الذين كنت اغني لهم بصوتك في حلقي ، بانغامك في صدري، والجرأة التي كنت تمدني بها فاواجههم بها ، والنجاح العذب، النجاح الكبير حينما أثير في صدور الغرباء مشاعر كالتي تعيش في أعماقي. أصنع لنفسي أسرة كبيرة مجهولة تشاركني ضياعي وغربتي .. وانت .. وأشياؤنا الصغيرة ..وضحكاتنا ..مرة وكنت الى جانبك في سيارتك المشحونة بالفوضى.. وكنت ارقب الشوارع والمارة والمخازن الملونة .. وفجأة هتفت: ما أجمل ذلك ..
وسألتني:ماذا؟هل هو شاب أعجبك ؟
_لو كان شاباً أعجبني لاكتفيت بغصة تموت في حلقي..
هل هي فتاه جميلة ؟
_لو كانت فتاة جميلة لنظرت اليها بصمت ، ثم لاختلست النظر الى وجهك لارى فيما اذا كنت تنظر اليها ام لا ، وكانت دوامة من الضحك الرائع.. انت لي .. ستنظر الى الوجوه كلها ولن ترى الا وجهي..وسنضم اليك عشرات الاجساد ولن تحس الا بصلابة يدي في يدك.. انت لي .. بل كنت لي.. لماذا اعذب نفسي.. وماذا بعد ياليلة الارق الممزقة .. وهذا السرير الذي صار ثقيلا كأني أنا التي احمله لاهو الذي يحملني..فلأنهض لعلي أجد شيئاً يلهيني عن مأساتي.فلأهرب من مدينة الارق الى غرفة نومي..
انهض.أتسكع في غرف الدار المظلمة شبح قتيل لم يثأر له. وشريط عمري المتعب ينزلق يلاحقني.. وكنت في المقهى مع بعض الاصدقاء لما احتد النقاش ، ووجه أحدهم كلامه لقناع الفتاة ذي الملامح الجادة: قولي،مارأيك؟ماذا نصنع،مارأيك بتوزيع المناشير.
وتتحمس الحمقاء وتخطط..وتنفذ..آلة من الالات البلهاء المنومة تنويماً مغناطيسياً.. فتاة من فتيات المدنية تلعب اكثر من دور ، ينزلق على وجهها اكثر من قناع .. لكنه وجهي الحقيقي،وجه الغجرية يسخر من الحماسة ،وضجيج النقاش في اذن الابدية طنين بعوضة..لاشئ يهز ابنة الشوارع المظلمة الفارغة وخطاها التي تجهش على الارصفة الخشنة.. انها تحب الخير والحق والحرية لكنها ليست مسؤولة عن أي شئ في هذا العالم .. ليست مسؤولة عن أحد. لا أحد يهمه أمر أي إنسان آخر ، وكلنا حبات عنب متفرقة انفرطت من عنقود مجهول ولن يلم شعثها تشريع أو عقيدة أو نظام.لماذا اناقض نفسي؟.. مامعنى رغبتي الطاغية برسم ابتسامة على شفة جدي؟..مامعنى خوفي على ابنتك من أن تكون مثلي اذا غادرتها .ذات يوم ،غجرية بلامرفأ .. لماذا ادعي أن لا ارتباط لي بالاخرين؟.. ولكنني لاادعي ذلك،انني احيا بصدق عزلة شهاب يهوي ووحشته..لعله قناعي..هو الذي يرتبط بهم بطريقة ما ، قناع الفتاة المهذبة صار جزءاً من وجهي،ترى لو انتزعته هل يتبقى اي شئ تحته ، الم يتآكل وجه الغجرية مع الأيام ؟ لوهجرت قناعي هل يتبقى لي اي وجه ..
ترعبني الصورة واهرب منها الى الشرفة ..وفوران الوجوه المحموم مازال يلاحقني.. البارحة صباحاً، والمطر يغسل نوافذ سيارة كمال التي حملني بها لارى دارنا الجديدة التي تم اعدادها والمطر يبكي ويبكي لتبدو الشوارع والوجوه من خلاله غربة وسحيقة البعد، كأنها ذكرى دامعة لحكاية تشرد غالية.همس كمال:اني سعيد بك.. لا استطيع ان اصدق انك ستكونين لي بعد أيام ..
ولم أقل له انني أنا أيضاً لا استطيع ان اصدق..احسست انني دمية بخيوط لامرئية الى أصابع لاعب مجنون يحلو له أن يحركنا كما لانشاء ..يدفع بنا الي حيث لانريد، ينتشل من دربنا الأشياء التي نعشق .. ووجهك كان يذوب في المطر .. وحكاياتنا ..والحانك..والغجرية التي اضاعت المرفأ لما فقدت وجهها ..وفقدت وجهها لما علمت ان المرفأ ليس لها ..
ويهمس كمال:ستغنين لي وحدي بعد اليوم..
ويضحك القناع بفرح عروس صغيرة تقبل على حياتها الجديدة .. وينحل وجهك في المطر،كالالهة وكالابالسة..
وأعود الى غرفتي ..ارتمي منهكة على سريري .. تنهار مدينة الارق على رأسي .. تتراكض الوجوه .. تدور،تعول،تضحك،تصرخ،تقترب..اسقط في هوة عميقة .. استسلم للعذاب المبهم الذي لايوصف ..العذاب الذي لايرتكز في عضو من الاعضاء ولاينبع من فكرة معينة.عذاب شامل ممزق يشمل ابعاد وجودي كلها ..واستسلم ..
بصعوبة افتح عيني .. ضوء الفجر ينسكب من النافذة خافتاً رمادي البريق .. انهض من غيبوبتي صافية الحزن ، كصخرة طهرتها الرياح والامطار..
يجب ان اسير وحدي قليلاً، يجب أن أرسخ هدوئي .. أن استكين لمصيري المفجع الذي لم اصنعه أنا .. افتح باب الدار بهدوء، مازال جدي واخوتي في براري الاحلام ..
أنا في الشارع وحيدة .. الشارع الطويل الحزين الذي ينسحب الظلام الى زواياه بينما الفجر الفضي يحتل ارصفته ويشع من النوافذ المبعثرة..
لم يستيقظ أحد بعد .. مازالت المدينة تغط بالنوم ، تنعم بالموت الموقت ..
وأنا الغجرية التائهة في مدينة الاساطير النحاسية تبكي المرفأ الضائع ، تبكي الدروب التي نجبر على السير فيها ، والغرباء الذين تقضي رحلة العمر معهم ونمثل السعادة وفرحة اللقاء ..
هذا انسان يطل من بعيد .. يسير ببطء في أقصى المنعطف .. يتجه نحوي .. يقترب .. يضرب الارض بعصاه .. انه صديقي في الشارع الميت .. صديقي في المدينة النحاسية .. صديق تشردي في الفجر الذي لايريد ان يضئ ..يقترب ..يسير متجهاً نحوي كأنه لايراني.. يالله انه اعمى . صديقي اعمى يضرب الارض بعصاه ويسير في دروب مجهولة لافرق لديه بين الفجر والغسق .
واحس بارتباط عميق بيني وبينه .. واسير الى جانبه .. دون أن يسمع وقع خطواتي .. أسير الى جانبه أتحسس الارض بعصا نظراتي وهو يتحسسها بعصاه .. انه يتحدث .. يحدث نفسه .. لايعنيني مايقول .. وأنا أيضا اهمهم. احدث نفسي .. ونسير ..ونسير..ونلوح من بعيد كانسانين صديقين .. يغمرني ارتياح مفجع فانا معه امثل اقصى مايمكن ان تصل اليه امتن العلاقات الانسانية .. بلازيف وبلا افتعال للحدث.
والى جانب الاعمى اسير .. كل يحدث نفسه .. وتطلع الشمس .. وينسكب الناس في الشوارع .. وتفور فقاعات الوجوه حولي ..ويضيع الاعمى مني في منعطف ما ..

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>