Arresting Suffocation moment
8 آذار وحرب لن أخوضها
7 March,2015
غادة السمان
لقاء مع القراء (2): الراسخون في «الإنترنت» غادة السمان
4 April,2015

غادة السمان إنهم يدّعون الشمس تشرق من اسرائيل

غادة السمان

غادة السمان

غادة السمان إنهم يدّعون الشمس تشرق من اسرائيل

 

لا أذكر بالضبط كيف بدأت اللعبة الجهنمية . .
لا أستطيع تحديد تلك اللحظة التي كفت فيها اللعبة عن أن تكون بريئة ومسلية لتستحيل جارحة وقاتله ومسمومه . .
ربما حدث ذلك حينما نطق ذلك الشاب السويسري بكلمة: ,,اسرائيل ,, وفاحت معها روائح الدم وومضت آالاف الخناجر بينما كانت عيناه تواجهان ثورتي المفاجئة ببراءة مذهولة !. .
كل ما أعرفه هو أنني أكتب الآن من زيورخ . . بالضبط من كوخ على تل من الثلج (أحد بيوت الطلاب )
عن مجموعة من الطالبات والطلاب من بقاع العالم كلها, جمعهم أمران: التزلج على الجليد و الدراسة . . .
وكل الأحداث الطريفة التي حدثت طوال النهار وقررت الكتابة عنها – تبخرت من حنجرة قلمي . .
وكل الأحداث الموجعة التي بدأت مع يوم رحلتي الأول تعود لتنبت من جديد في محبرتي وتلطخ بياض ورقتي بالسواد المهين . .
منذ يوم رحلتي الأول قررت: لن تقع عيناي الا على الجميل و المبهج . . سأتحدث عن شروق الشمس وأترك لسواي مشاهدة الغروب .. سأرسم نصف الكأس الملآن بالماء واتجنب الحديث عن النصف الباقي – الفارغ . . ففي وطني العربي يعتب الجميع على كتاب جيلنا:
((,, لماذا كل هذا التشاؤم ,, ضياعكم مستورد ! حزنكم غير أصيل ! بلادنا لم تتعرض لويلات الحروب العالمية ! نحن بخير . . نريد أدبا أصيلا .. نريد كلمات بيضاء فعلا , لا من باب التسمية باسماء الأضداد ))
ويوم رحلت قررت في شبه مباسطة نفسيه مع ذاتي , ربما كانوا على حق .,,
سأرى الأمور من جديد . .
وقد حاولت .. وتغابيت .., وتعاميت . . عذار أيها السادة, ولكن كلمته الليلة ((اسرائيل)) فجرت كل شئ . . كل شئ .. انها التعبير المحسوس عن واقع الخزي المرير تهون أمامه مرارة مدن تستلب في حرب عالمية ما . .
عذرا أيها السادة ..
لامفر من الصدق أحيانا واذا كان المرح والجنس من شروط النجاح لأدبنا في العربي المعاصر: فسوف أكتب كلمات لاعلاقة لها بفن نحت الكلمات الأدبي . . لنسمها هلوسات مواطنه تصادف أنها أيام كانت تقف لتحية العلم في طفولتها في باحة مدرسة (الفيحاء) في دمشق , كانت تفعل ذلك بحب غريزي مرير . . وصورة ذلك الأخضر الأحمر والأسود والأبيض ماتزال تقطن شبكية عينيها , ,
ماذا حدث ؟ مالذي دفع ذلك الطالب المجهول ليقول ببراءة تامة : ((اسرائيل))
لا أهمية لذلك اذا لم أفجر الوقائع (البيض) منذ بداية المرحلة . . . فالانفجار الأخير ليس سوى حصلية عشرات الانفجارات المكبوتة . . .

بدأت الحكاية في ملعب (للرغبي) في قرية قريبة من لندن تدى (آيشر) . . كان البرد باردا حقا! .. .
لا أجد صيغة أخرى أعبر بها عن مشهد ملعب أخضر العشب ممتد من الأفق الى الافق وطبقة شفافة من الجليد تغطيه . . ثم تكسر الجليد وذاب تحت أقدام آالاف من الشبان لابسي الشورت , لاعبي الرغبي يوم العطلة الأسبوعية . ., الأحد . . .
وكنت أراقبهم من مبنى النادي, عبثا أبحث عن ساقي أخي السمراوين بين آلاف السيقان البيض الراكضة المتلاحمة . . وعلى زجاج النافذة كانت أنفاس عشرات من الفتيات الانكليزيات صديقات الشبان تتكاثف . . ومن خلال الأبخرة المتزايدة تستميت العيون بحثا عن وجه ما بين المتبارين . . وكنت أشعر بالدفء والأنس , ومنظر آالاف الشباب يركضون في الحقول المتجمدة كالخيول الأليفة البريئة كان من المشاهد النادرة للتجمعات البشرية التي لاتثير قرفي . . وكنت أفكر أيضا كيف أن المرأة هي المرأة أولا وأخيرا .. انها تشاركه كل شئ في ساعات العمل لكنها يوم العطلة تلعب دورها الحقيقي وتنتظر في الدفء كالمرأة الشرقية .
ثم فجأة تمزق كل شئ . .
اقتربت مني فتاة مغسولة بالبياض مغمورة بالشعر الأشقر .. أسمها كما قالت حينما سألتني عن اسمي:باميلا . .وانسجاما مع الأفكار الأليفة التي كانت تتلاحق في مخيلتي في تلك اللحظات ,
سألتها: هل قرأت رواية باميلا؟ .. _ لا
– انها أول رواية أنكليزية بالمعنى الحديث . . يجب ان تقرأيها . . ثم ان أوصاف بطلتها تشبهك كثيرا
وفكرت ! هذه فتاة تمثل قسما كبيرا من نساء هذا الشعب . انها نصف جميلة نصف متعلمة , أنيقة جدا
شقراء جدا . . ولم تسمع بأحد أهم كتابها ((ريتشاردسون)) ولم تقرأ أحد أهم كنوزها الأدبية التي تدرس في مدارسنا نحن !!!!
سألتني بفضول وهي تتأمل شعري الأسود وبشرتي الداكنة وارتعادي المستمر من لبرد الجو :
وأنت , من أين أنت ؟
– من بلاد دافئة دائما . . مشمسة وجميلة . .
-مااسمها ؟
– سورية
وقلبت شفتيها بجهل وسألت :أين ؟
– لبنان سورية . ألم تسمعي بهما ؟ . . .
– قالت : لا ! . .
– على شاطئ البحر المتوسط . . شواطئ دافئة , مراعيها قلما تعرف الثلج . .
أجابت وقد أضاءت عيناها : تعنين أسرائيل !! . .
وغمرتني رغبة عربية في تحطيم كأس البيرة في يدي على رأسها , ثم دفنها في التهاب الموقد , والصراخ بها على طريقة يوسف وهبي : اذهبي الى الجحيم . .
ولكن فضولي كان أقوى من ثورتي . . سألتها بلا مبالاة :
– اسرائيل ! ماذا تعرفين عن اسرائيل ؟
– كنت هناك هذا الصيف . . .
ربما ظنتني اسرائيلية , ربما اقنعوها بأن الشمس تبزغ في اسرائيل , وانه ليس في الشرق الأوسط سوى مركز حضاري واحد اسمه اسرائيل . . وفهمت منها انها قضت على شطئان يافا وحيفا أياما رائعة . .
ذهبت في رحلة سياحية ولكن بأجور شبه رمزيه (طبعا خكومتهم هناك تشرف على المظهر المدني العادي للرحلة وتموله ) , , ,
الاعلان علق على جدار مدرستها في القرية ! ذهبوا جماعة كبيرة تنتمي الى الشعوب المتخلفة صديقها من المجر رافقها . . الدفء هناك لايصدق (لابد أنك تتجمدين هنا . هل أنتي من حيفا !؟ أم من يافا – هكذا سألتني ) (اسرائيل بلاد رائعه . . . لابد انك سعيدة فقد حققتم التطابق بين الواقع والأسطورة ! )
كغربية تسحرها الأساطير وتستولي عليها أكذوبة حلم اسرائيل العتيق . . لقد قرأت عن عجنون الاسرائيلي الفائز بجائزة نوبل ومع ذلك لم تسمع عن ريتشاردسون أديب بلدها العظيم . .
عادت وهي ممتلئة ايمانا بجمال وانسانية مايجري هناك ! . . أهدوا اليها هناك كتب عجنون وطبعا لم تسمع بانسان اسمه غسان كنفاني ! ) . . .
وحينما عاد أخي الي عدنا في السيارة المظلمة أنفجرت أهذي قهرا وغيظا وكمدا فـ باميلا لم تقصد ايذائي . . ان صوتهم وصل اليها واكاذيبهم دمغت قلبها البرئ . . . أين صوتنا …

ليلتها جلست اراقب التلفزيون وكانت صدمة جديدة
مسلسل انكليزي اسمه آدم ادموند بطله شاب كان ضحية تجربة علمية تسببت في نومه مئات الأعوام في الجليد ثم عاد الى الحياة . . انه نسخة انجليزية عن جيمس بوند (المتأمرك ) و ارسين لوبين الفرنسي
وليست ثيابه الانجليزية وعصاه وبروده الامور المبتكرة فيه وانما أعداؤه ! انهم من ((العرب ))
انهم عرب أغنياء تسترت عصابتهم خلف مظهر بيت للمساج والرياضة . . . مجموعة من الأخوة وأبناء العم الذين يتنازعون فيما بينهم بالاضافة الى تعاونهم على الجريمة والايذاء … وآدم ادموند ينقذ فتاة انجليزية وقعت في حب محمود !! أحد القريبين من العصابة وبالتالي تم اختطافها لارغام محمود على توقيع شيك تنازل بأمواله
ويستغل المسلسل بعض رموزنا الفلكلورية استغلالا بشعا مبسترا اننا غي المسلسل الذي يقدم أسبوعيا أقوام من البدو الرحل او التجار المحتالين نروض الافاعي ونربيها في بيوتنا كما تربي الفرنسيات القطط ونستخدمها في قتل أعدائنا او الانتحار على طريقة كليوبترا ..
والرقص الشرقي نوع من العهر العلني الذي نستخدمه لتخدير اعدائنا . .
وأما مأكلنا فأهم طبق فيه عيون الغنم وبيوض الأفاعي وهي كما يقولون تحمي من الضعف الجنسي
فمن المفروض اننا قوم نعيش لاغتصاب اكبر عدد من العذارى ندق اعداءنا الأبرياء على الجدران ونقطعهم بالسكاكين كالشاتوبريان وابطال المسلسل من العرب يرتدون البذلات الغربية مع العقال العربي
وطبعا ينتهي المسلسل بانتصار ادموند على أكلة اللحوم البشرية واعداء الحضارة العرب . .
وتعاقبت عشرات الأحداث
وفي كل مرة أغص بأسماء كثيرة . .. خالد بن الوليد . . .صلاح الدين الأيوبي . . عمر بن الخطاب
حتى الذين سمعوا بأبطالنا يتحدثون عنهم كما لو كانوا قراصنة ! انهم في كتب تاريخ تلامذتهم أعداء الانسانية ولحضارة أوربا . . .
هناك حقيقة لامفر من الاعتراف بها .. ويجب ان نجابهها لا أن نهرب منها ونمنع وصول اي حرف يتعلق بها الى آذاننا الحقيقة : أن اسرائيل تعمل بموجب خطة مدروسة متكاملة الجوانب للخروج بقضيتها الى محيط جديد وللظهور بمظهر البقعة الوحيدة التي تدافع عن الحضارة والانسانية وسط بحر من الجهل العربي الغارق في تخلفه وجهله . . .
ان سوء الفهم لبلادنا عار سوف يلطخ التاريخ الانساني أعواما طويلة . . واذا كانت ألمانيا الحديثة تدفع ثمن اضطهاد النازية لليهود حتى اليوم (للأسف شحنات من الاسلحة لاسرائيل ) فلا أدري كيف يكافع العالم الحر ثمن اضطهاده المقصود وغير المقصود للعرب لقد بدأ جيلهم يصدق كذبة اسرائيل الكبرى وجيلنا الجديد لم يع بعد معنى هذه الصدمة وتأثيرها حتى على أصغر زوايا حياته وتصرفاته . ..

وجريا على عادتنا بتمزيق اي صفحة معادية لنا أغلقت التلفزيون بينما قال لي أحد الاصدقاء الانجليز معتذرا : اننا لانقصد الاساءة لكم . . . مسلسلاتنا تحمل دوما فريقا من الاعداء الغرباء من اليابان والصين او العرب . . . ولكنه لم يقل لي لماذا توقف اخراج مسرحية تاجر فينيسيا مع انها من أجمل مسرحيات شكسبير لم يقل ان السبب هو ان المرابي فيها يهودي فيه بذور العقلية التي أنشأت شئ اسمه اسرائيل : الرغبة في اقتطاع لحم الضحية التي عجزت عن دفع الدين .. .
ولم يقل لي شيئا آخر حينما أطفئنا النور لننام وصار بوسع كل منا ان يخفي وجهه عن الآخر
قال في الاسبوع السابق لمجيئك كانت موضوع الحقلة طائرة هبطت اضطراريا في ارض عربية ولقي الأبطال الشقر مالقوه من العرب البهائم ! ولكن بطلهم انتصر كالعادة وهرب ولم يحدث يوما ان دار موضوع المسلسل في اسرائيل . ..
ان اسرائيل في نظر زملائي اليوم هي الجنة المشمسة التي يتمنون قضاء اجازاتهم فيها . .

غادة السمان إنهم يدّعون الشمس تشرق من اسرائيل 2008

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>