قصائد غادة السمان
الأبدية لحظة ذكرى
15 September,2014
قصائد غادة السمان
ذاكرة المستقبل
16 September,2014

عذراء بيروت 1973 – قصة

مقالات غادة السمان

مقالات غادة السمان

عذراء بيروت 1973 – قصة

أمام المرآة الكبيرة في جناح ” العرسان ” بالفندق البيروتي الكبير . اجلس الحلاق الشهير الذي كنت اقرأ عن فضائحه في الصحف وسيدات المجتمع ينسق شعري .. انه وسيم وسيكون لي معه قصة بعد أنتهي من شهر العسل الممل السمج. لم لا ، وأنا سأصير سيدة مجتمع مثلهن .لا . بل أجمل وأفتى وزوجي أكثر ثراء من أزواجهن ؟
(لماذا ناديتني تلك الليلة يا علياء ؟ .. لماذا أردتني أن أشهد مصرعك المروع ؟ أسرتك حولك مثل أكلة لحوم البشر ، والخنجر في يد والدك ، وزجاجة الديمول في يد أخيك يدفع بها الى فمك لتشربي وأمك سارعت الى نافذة الشرفة لتغلقها كي لا يسمع الجيران.
المهم ألا يسمع الجيران أو يدري الناس ، وانا اختبأت في ظلمة الشرفة التي كنت قد قفزت اليها من شرفة غرفتي الملاصقة لغرفتك ، حين سمعت صوتك يناديني ، وعبر ثقوب الخص الخشبي شاهدت ذلك البريق في عينيك حين شربت السم بملء ارادتك ، ذلك البريق الذي أكد لي أنك اخترت السم لأنك أردته .. وشربت الزجاجة كلها .. لماذا كانت الريح باردة هكذا ، باردة تخترق اللحم والعظام والاعصاب وتذكرني كم هو بارد تراب المقبرة حيث ستكونين في الغد ؟.. بعدها بدقائق ، قرع الباب والدك وأمك وشقيقك ، وظننتهم قد ندموا لما فعلوا ، وجاءوا يطلبون النجدة ، جاءوا لاستعمال هاتفنا لطلب سيارة اسعاف لانقاذ حياتك .. لكنهم دخلوا كعادتهم .. وقالت أمك لأمي كعادتها : جئنا نرى برنامج “….” في التلفزيون . ولم يكن في وجه أي من أفراد أسرتك تعبير ألم واحد ، بل بالعكس ، كان في وجوههم راحة من أدى واجبه ، وكان في عيني أبيك البريق نفسه الذي شاهدته فيهما يوم عاد من أداء فريضة الحج .. وكان اسم الحلقة “شرف البنت ” أو شئ من هذا القبيل وعلى الشاشة ظهر المذيع “وسيم” يتحدث بهدوء ويبتسم بثقة دون أن يدري انه في هذه اللحظة بالذات تحتضر امرأة لأنها أحبته .. ولانها رفضت أن تبوح بإسمه ..
لماذا ناديتني تلك الليلة المروعة يا علياء ؟ .. صرخة واحدة حادة مزقت صوت الروح والعاصفة .. جلست اسرتك ترقب التلفزيون ، وجلست أنا متحجرة عن الحركة .. اتأمل وجه وسيم واكتم سرنا المشترك ، حبنا المشترك رغم زعيق التلفزيون وتعليقات أمي وأمك ، كأن يخيل الي انني اسمعك وانت في غرفتك تحتضرين ، وربما تقرعين الجدار المشترك بين غرفتي وغرفتك ، وتحاولين نقل رسالة الى كما يفعل السجناء عبر جدران زنزاناتهم .. وفهمت الرسالة ..
لا أدري كيف لم أصرخ .. كيف لم اركض لانقذك . كيف شاركت في جريمة التستر . كيف استطعت ان اظل صامتة جامدة ، وفي رأسي تصاعدت ابخرة سود كأنما انفتح في دماغي شق من شقوق الجحيم ، وهاهي الغيمة السوداء تحتلني الى الأبد .. كنت أعرف ان جسدك يختلج وينتفض كجسد طير سقط في الجليد بعد أن أصيب بطلقة صياد لن يبالي حتى بلم جثته ..
بدلاً من أن أشرع لانقاذك ، شرعت الى المطبخ واعددت القهوة لاسرتك كأية فتاة فاضلة تعرف كيف تعني بزوار امها .. وأضفت كثيراً من السكر .. كثيراً من السكر ..
المفتي وصورة أخرى الى احدى الصحف وحذرانا من قراءة كتبها ، أو أي حرف تنشره في المجلات ، تحت طائلة العقاب الشديد ، أي إخراجنا من الجامعة .. وكنا قد نجحنا في الدخول الي الجامعة بعد معركة عنيفة دامت طوال الصيف ، ولم يكن قد انقضى على العام الدراسي أكثر من ستة أشهر ، ولم تكن لدينا القدرة على مواجهة زوبعة جديدة.
وتناوبنا قراءة كتاب لين.
كانت الشمس تشرق من صفحاته .. كل سطر فيه دعوة الى الحياة والى التجربة والى الحب ، والى التخلص من خدرنا الاجتماعي الذي نتوهم انه حياة .. كان دعوة الحياة الحقيقية والا فالموت أفضل ..
وكان وسيم .. شاهدناه على شرفة ” بناية البستان” المواجهة للجامعة .. صرنا نتعمد اختيار مقاعدنا في الصف بحيث نكون قادرتين على رصد نوافذه ، وستائره البنفسجية التي تسدل عادة بعد ظهور احدى الجميلات على شرفته وشربها كأساً من الويسكي” كنا نظنها ليمونادة يومئذ” ثم يتبع ذلك دائما اسدال الستائر أكثر من ساعة ، وكنا ننسى ما يدور في الصف ، ونطلق خيالنا الى ماوراء تلك الستائر الليلكية نتخيل ما يدور .. نتخيل شفتي وسيم اللتين نعرفهما جيداً حين تتكوران في التلفزيون امامنا بينما هو يتحدث ، ونتخيله وهو يطبق بها على شفتي الزائرة المجهولة .. وكانت الستائر تخفق وأنفاسنا تتسارع وتضطرب ، والستائر ترتجف ، تهيج ، تجن ، ونحن عبثاً نطفئ النار التي انبثقت في مسامنا كلها .. وأخيراً تهدأ الستائر حين يرفعها ، ونسمع صوت انزلاقها _ أو يخيل الينا ذلك _ حاداً وقاطعاً مثل سكين تمزق خيمة ، وتنتهي مسرحيتهما التي كنا نشارك فيها دون أن يدريا .. بل ربما كنا نرتجف ونتمزق أكثر من تلك التي يضمها خلف الستائر .. كنا المتفرجين الذين يعيشون المسرحية أكثر مما يعيشها ممثلوها ..
لذا لما كنا نلتقي به أمام مدخل البناء صدفة ، كنا نبتسم له بخجل ودود خائف كأننا شركاء في سر شهواني واحد ..
وكان يطل من عينيه حين نحدق به تواضع مصطنع ولطف مسرحي مثل تلك النظرة التي تطل عادة من عيون المشاهير أمام الناس العاديين حين يحدقون بهم كأنما يقولون لهم ، لقد عرفناكم ..
ولذا لما تجرأ ودعانا الى بيته لشرب الشاي ريثما يحل موعد الصف _ وكان موعد الصف بعد ثلاث دقائق _ كأن صوته مستريحاً ، بل وفيه بعض الضجر والتعالي .. وصعدنا معه دون تردد .. كنا نموت شوقاً لرؤية ما وراء الستائر البنفسجية .. لرؤية المكان .. الذي نتعرى به ونقبل ونستسلم ونحيا ونمنح ونشهق ونلهث ونرتعش بينما نحن في الصف ..
دخلنا ..
ولم يخيب المكان أحلامنا ..
كان صدفة بنفسجية ..
الجدران .. الارائك .. الاضواء .. مزيج مسحور من الاسود والبنفسجي والموسيقى كالاضاءة لا تدري من أين تنبعث .. وغرفة النوم ، الستائر بنفسجية والجدران ، والسقف اسود ، وملاءة السرير سوداء والوسائد الحريريه بنفسجية ..
كان حلماً عجيباً ..
حلما اشتركنا فيه علياء وانا بكل براءة .. ببراءة لا تعرف الرغبة في الامتلاك او الاحتكار .. ببراءة لا ترفض المشاركة .. وكما ان الطفل لا يبكي لان الشمس تشرق لسواء ، كذلك لم يضايق علياء ان تذهب الى الصف وابقى انا مع وسيم على ان نتبادل الادوار في اليوم التالي
سالني : هل أنت عذراء ؟
قلت بدهشة : طبعاً ، لماذا ؟ بدا عليه الضيق ، وتأفف ، ثم قال ، هذا لايهم. سنحتاط للأمر . لا تخافي ، سأكون حذراً .
قالت لي علياء في الاسبوع التالي انه سالها السؤال نفسه ، وابدى الضيق نفسه . صدر كتاب جديد من تأليف لين .. اشتريناه . قرأناه . بعد أسبوع قالت لي علياء ، مريم لم اعد عذراء . قلت لها : وأنا أيضاً ، ولكن الامر لا يهم ..
كل مافي الامر انني لاحظت بعد ذلك ، وللمرة الاولى ، ان السرير البنفسجي الذي كان يحتويني كحلم ، كنجمة تطير بي ، صرت الحظ صريره الحاد تحتي ، وبدأت أعي انه مجرد سرير حديدي .
بعد شهر قالت لي علياء : وسيم لا يريد ان يراني . يريد ان التفت لدروسي فقد اقترب موعد الامتحان .
قلت لها : وأنا أيضاً .. لاحظت فتوره.
انقضى أسبوع ، وعادت الفتيات يظهرن على شرفته والستائر تستدل .. وترتعش .. حتى جاءته هي ، الممثلة المشهورة .
كنا في الصف حين شاهدناها للمرة الاولى على الشرفة .. خيل الينا اننا نعرفها ، فقد كنا نراها تمثل في أحد برامج التلفزيون ، تلك الليلة عرفنا للمرة الاولى الغيرة . كل الناس كانوا يبدون لنا غير حقيقين وبالتالي لا يمكن ان يثيروا حبنا او غيرتنا الا اشخاص التلفزيون والروايات والقصص .. وحدهم كنا نحس بهم حقيقين وبالتالي لا يمكن ان يثيروا حبنا أو غيرتنا الا أشخاص التلفزيون والروايات والقصص .. وحدهم كنا نحس بهم حقيقيين وبالتالي نغار .. كل النساء اللواتي شاهدناهن على شرفته لم يثرن غيرتنا .. كنا نحس انهن مجرد وهم .. اما هذه الفتاة التي شاهدناها تمثل فقد كانت من طينة بطلات الروايات مثل بطلات قصص لين .. كانت حقيقية بالنسبة لنا ..
واكلتنا الغيرة ..
وتعذبنا ..
لا ادري كيف خطرت لي الفكرة . كنا ببساطة نتعذب ، وكان لابد لأحد من أن يكون مسؤولا عن عذابنا أي ” أحد” ما عدانا وقلت لعلياء ، سنذهب الى لين هي مسؤولة عما حدث ..
وقالت علياء وقد غرقت في تفكير عميق .. لا يامريم . لا أظن ان لين هي المسؤولة ولكن فلنذهب اليها على اية حال .. اريد أن أراها وأتحدث اليها
بيتها كان صغيراً . بسيطاً يكاد يكون فقيراً لولا جمال مشهد البحر خلف النوافذ . لا أثاث فيه سوى أوراق وكتب واسطوانات متناثرة فوق “موكيت” زيتي ، وفراش صغير على الأرض مغطى بفرو الارنب في ركن الستود يكمل لوحة الفوضى حولها ..
كانت جميلة ، ولا تبدو أكبر سناً منا بكثير .. دخلنا ، ارتبكنا ، لم نقل شيئاً . صرنا نتهامس . قالت لين بفظاظة ، آسفة ولكن ، لدي عمل انهيه للمجلة التي اعمل بها . لا وقت لدي اضيعه ريثما تنتهيان من همساتكما . ماذا تريدان مني .
قلت لها فجأة انت مسؤولة عما فقدنا ! هذه علياء وانا مريم ولم اعد عذراء ولا هي وقد فعلنا ذلك كله تحت تأثير حروفك وتعاليمك .. ماذا تملكين لنا الآن . ماذا نفعل !
انفجرت لين تضحك . تضحك . ثم انصتت بهدو بينما رويت لها الحكاية .
قالت : اذن القضية انكما فقدتما الرجل الذي تحبان لانكما منحتماه نفسكما ؟ هذه مشكلة طبيعية لا بد وان تمر بها كل فتاة متحررة في مجتمعنا الانتقالي هذا ،فالرجل الشرقي مايزال يخاف المرأة التي تمنح .. انه ما يزال يتوهم الحب والعطاء تهتكاً وهو لذلك لا يتزوج المرأة التي تحبه وتمنحه ذاتها ، وإنما يفضل التي يشتريها ، فذلك يمنحه حساً بالامتلاك والامان أكثر .. الحل ؟ لا حل لجيلنا .. لا مفر للمرأة من أن تعيش هذه التجربة المروعة مراراً وتكراراً ريثما ينضج الرجل .. وتستعيد عواطفه انسانيتها ..
قالت علياء بنفاذ صبر ، لم أعد عذراء . هل تفهمين معنى ذلك ؟ سيقتلني اهلي لو علموا !
فبكيت بدوري ، لقد فقدنا عذريتنا . هل تفهمين معنى ذلك بالنسبة لنا ؟
وانفجرت لين تضحك وتضحك . ملأت كأساً من الويسكي وبدا في عينيها حزن حقيقي .. قالت بإستخفاف : ” اذن هذه هي كل المشكلة .. بسيطة .. كنت أظنكما تتألمان بشكل أعمق .. اذن كل المشكلة هي عذريتكما . أي لو عدتما عذراوتين لانتهت مسؤوليتي ، وانتهى عذابكما ..
صرخت علياء : طبعاً .
قالت لين : يا للغباء . ألا تعلمان أن التكنولوجيا حلت مشكلة البكارة ؟ وأن أية مومس من “حي المتنبي ” تستطيع أن تعود عذراء بـ 200 ليرة لبنانية ؟ .. الطب الحديث حل هذه المشكلة .. يستطيع الطبيب ان يخيط لكن ما تمزق ، اذا كان كل ما تمزق ، هو أغشية جدية .. كنت اظنكن تبكين تمزقاً اعمق . تمزقاً في لحم الروح .. تمزقاً في أعصاب النفس .. بسيطة .. وتناولت الهاتف وهي تقول : لدي طبيب صديق ، سيجري لكما العملية “على حسابي ” وبسرية تامة ( سألت مذهولة ، ألن يعرف أحد ؟
بسخرية ردت : طبعاً لا . حتى لو جاء الرجل الذي سيشتريك فيما بعد بطبيب مع الكاهن ليتأكد من أنك ( صاغ سليم ) . لا .. ربما بقدر الطبيب الماهر اذا زود بالمعدات الكافية أن يلحظ آثار العملية .. ولكن ريثما ينكشف الأمر للجميع ويشيع خبر هذه العمليات ، لن تواجها هذه الورطة ، لذا سأرعا بإتمام صفقة الزواج .. أجل ! أعتقد أن الرجل العربي سيتزوج من الآن فصاعداً على يدي كاهن وطبيب خبير يفحص له “البضاعة ” .. ولكن يوم يتقن الطب اجراء هذه العملية ، وهو يوم قريب جداً ، سيكون على الرجل العربي أن يعيد النظر في مقاييسه الاخلاقية كلها التي يقيم بها المرأة “الشريفة” وغير “الشريفة” .
وبعد حديث هاتفي سريع ، كتبت لنا ورقة عنوان الطبيب ورقمه الهاتفي قالت لنا : قولوا له ” متى تستطيع اصلاح الجوارب المثقوبة ” وسيفهم . هذه هي كلمة السر . التكاليف سأدفعها أنا مقابل شئ واحد : أن تخبراني بعد العملية ، هل انتهت المشكلة حقاً بالنسبة اليكما ؟
لماذا ؟
_ لأنني اريد ان اعرف لمن أكتب ، وعلى من اتلو مزاميري !
_ لأنه إذا كان وجودكن كله ومشاعركن كلها هي مشاعر اليهودي البخيل الذي يملك بضاعة واحدة ، تتوقف حياته على حسن الاتجار بها ، واذا كنتن راضيات بذلك ، فسوف امزق هذه الصفحات التي كتبتها قبل أن أدفع بها الى المطبعة . من الواضح انكم فهمتم كل ماقلته في كتبي خطأ .. وظننتم انني احرضكم على المقامرة “برأسكم” .. انني احرضكم على ان تلحظوا انسانيتكم (عذراً لكنني أكره نون النسوة ) ..
وخرجنا من عندها . وبرت بوعدها . وبر الطبيب بوعده . ولكن شيئاً لم يعد كما كان ..
علياء بدت مريضة بعد العملية . ظننت ان ذلك بتأثير “البنج” والخجل ، والممرضة التي كانت تنظر الينا باحتقار ، والطبيب الذي اختبأت خلف صمته قهقهة ساخرة . ولكن الامر تزايد يوماً بعد يوم ..
كانت تبدو كمن اضحى ذليلاً .. قالت لي ذات مرة فجأة ” لم اعد احتمل هذا العار . لقد بدأ العار يوم رضيت بإجراء العملية ، لا قبل ذلك كما توهمنا .( ثم تغيبت عن الصف ذات يوم ، وشاهدت من النافذة الستائر البنفسجية تخفق في شقة وسيم بعد أن تسدل ..
ولمع في خاطري شئ رهيب ..
وليلاً جاءت مغسولة بالمطر والدمع .. قالت : لقد انتهى الكابوس وتخلصت من آثار العملية . عدت الى وسيم !..
وشعرت انني احسدها ، وانني لا اجرؤ على ان افعل الشئ ذاته .. كنت مريضة الروح مثلها ، مجلودة بالاحتقار الداخلي المقهور .. ولم أكن أعرف كم يمكنني أن أقاوم خوفي من السكاكين والخناجر ..
وكي لا أذهب مثلها الى وسيم ..
كنت كل صباح اسارع الى الصحف لا قرأ صفحة الجرائم ، واختار جرائم الشرف بالذات ، واستغرق في قراءة تفاصيل كيف ذبح أخ أخته (من الوريد الى الوريد) ، واتأمل صورة الذبيحة فأرى صورة وجهي في كل صورة لجسد مذبوح ، أو كيف طعنها ابن عمها بالسكاكين ثم رشف رشفة من دمها ثم ذهب الى الشرطة مزهو ، أو كيف شاركت الأم في قطع رأس فتاة وجزه عن جسدها وكيف حملوا رأسها في الكيس الى القرية ليعرضوه على كبارها شهادة لهم في حسن السلوك الاجتماعي .. وكنت أتخيل انني أنا التي تقتل وتذبح ويجز رأسها ويمزق جسدها ، واحس بأن الثقوب النازفة تنفتح في جسمي كله .. وامضي يومي نازفة ممزقة وخوفي على علياء يتزايد .. وحرصي على (عذريتي) الجديدة يتصاعد ..
وخيل إلي ذات يوم انني لاحظت بطنها يتكور ، وقلت لها ضاحكة : أنت بحاجة الى ريجيم ..
وليلتها سمعت صرختها من الشرفة .. لماذا ناديتي تلك الليلة يا علياء ؟ لماذا أردتني أن أشهد مصرعك المروع ؟ أسرتك حولك يشدونك في الصحراء ، ثم تفور عاصفة من الرمل وتدخل في عيوني ، وأراك عبر سحابة الرمل والدموع تجرعين كأس الديمول وأمك سارعت إلى النافذة تغلقها كي لا يرى الناس ، كان من الضروري أن تموتي كي لا تعيش “الفضيحة ” لماذا كانت الريح باردة هكذا ، باردة تخترق اللحم والعظام والأعصاب ، باردة كنظرات أهل العرايس الحذرة الى العروس ريثما يخرج اليهم العريس بقطعة من القماش ملطخة بالدم فتدق طبول أهل القرية ويبدأ الرقص البدائي حول الذبيحة المضخمة بالدم والغربة ؟
لماذا ظللت صامدة جامدة ، وفي رأسي تصاعدت أبخرة سود كأنما انفتح في دماغي شق من شقوق الجحيم ؟ ..
“البسي الفستان يا عروسة .. العريس يريد أن يراك ” تقول أمه ، ارتدي الثوب الأبيض المزين بالدانتيل الذي كلف خطيبي المغترب الثري ما يفوق راتب أبي الموظف المستور طول حياته مع رواتبه التقاعدية بعد موته أيضاً ! .. فستان العرس الأبيض .. يدهشني كيف تقف الفتيات أمام واجهات المحلات يتأملنه بشهية ولهفة وتلتمع في عيونهن بالونات العيد المضيئة ، دون أن يدرين انهم يتأملن كفنهن .. لين .. يجب أن أرى لين ، وان احرضها على كتابة مقال تطالب فيه البنات بالاضراب عن ارتداء ثوب العرس الابيض مادام في الحقيقة ليس أكثر من صرة تلف بها البضاعة ، أو كفن أبيض . أما بالنسبة الي فهذا الثوب الابيض ليس كفني ، انه ثوب الجلاد الذي يرتديه حين ينفذ حكم الاعدام بشخص ما .. وأنا سأنفذ أحكاماً كثيرة على طريقتي .. اذا كانت علياء قد استاغت دور الضحية فأنا أفضل دور الجلاد .. واذا كانت قد هربت قرفاً ، فها أنا أغطس بكليتي في المستنقع واقبل اللعبة ضمن شروطها القذرة ، شروطهم ، وانتصر أيضاً .. منذ احتلتني تلك الغيمة السوداء تاركة في فمي طعم الرماد ، صرت أفهم لغة عالمهم ، واعرف كيف اخاطبهم بها .. أجل .. سأكون سيدة مجتمع من الطراز الأول .. ستتحدث الصحف عن ثوب زفافي واناقتي وستجيؤني المحررات فأحاضر عن السعادة الزوجية ، واملأ أعمدة الصحف عن فضائل الوفاء الزوجي .. وقد امارس رسم لطخ بالدهان واصير رسامة تجريدية مشهورة (آه .. أهلا عريسي .. البضاعة جاهزة ) ..
أمي توشوش في أذني اسمعي يا بنت .. اطلبي منه الليلة ان يكتب لك “بناية” الليلة قبل الغد . والغد قبل بعد غد . اسحبي منه كل ما تستطيعين قبل ان يمل . فالرجال يملون بسرعة ، والاغنياء يملون قبل الفقراء . والمرأة جانحها مكسور .. والفرصة تأتي في العمر مرة ..
أزيحها عني ، أخرجها من الغرفة . خطيبي واقف على العتبة يتأملني . منذ احتلتني الغيمة السوداء وانا افهم هذا كله ، بل وأكثر منه بكثير ، مسكينة أمي . كم هي ساذجة ومبتدئة . أنا جامعية ، وبتفكيري الأكثر نضجاً أستطيع أن أكون أكثر شراً مادام لا أحد يسمح لي بأن أكون شيئاً آخر ..
ثم انني جميلة .. وشابة .. تعال يا سعادة المغترب شهال بك .. أجل انظر الي هكذا .. أجل .. تأمل السذاجة في وجه خطيبتك مريم العذراء .. لا . أرجوك . لا تقبلني . في خدي فقط. أجل هكذا . لا حظ كيف أتورد خجلاً كالعذارى . يلذ لك ذلك . أعرف . يثير شهيتك الى الاغتصاب . منذ انتحار علياء .. لن أقول مقتلها لأن البنت المهذبة لا تسمي الأشياء بأسمائها .. عرفت ستائر كثيرة في شقق كثيرة .. ستائر حمراء زرقاء خضراء صفراء .. ورجال كثيرون كانوا رجلا واحداً هو تارة أخضر أو أحمر أو أزرق أو أصفر .. كانت عذريتي تثيرهم أكثر مما أثار عطائي وسيم ذات يوم .. كانت تذكي فيهم شهوة امتلاك سلعة مختومة . فض رسالة مغلقة .. أجل ! لقد تعمدت أن أجعل بطاقات الدعوة الى عرسي مختومة بالشمع الاحمر “صرعة” تحدثت عنها بيروت باعجاب وبدأت العائلات الثرية تنقلها عني .. نعم . نعم . بطاقة عرسي ، أنا عذراء التكنولوجيا ، وهم قبيلة البدائيين الذين ما يزالون يقفون أمام الأبواب يتسولون خرقة تلطخت بالدم يخرج بها العريس عند الفجر وتطمنهم الى ان الدنيا بخير .. آه كم سخرت .. كم ضحكت وأنا أكتب عناوين بطاقات الدعوة بنفسي .. بطاقة بطاقة .. آه كم سأسخر !
شهال بك ، عيب . لا تمد يداك الى صدري . أعرف انني قد أبرزته من الفستان ولكن ذلك جزء من طريقة عرض البضاعة على طريقة دكاكين شارع الحمراء .. ولمس البضاعة ممنوع في البلدان الراقية .. وانت طبعاً تعرف ذلك ما دمت تصطاف في لندن وتشتي في مونت كارلو .. نعن . لمس البضاعة ممنوع ، والصفقة لم تتم بعد ولكل شئ أصول .. آه .. انك تلهث , ستلهث كثيراً فوفر أنفاسك ، أخشى أن تموت الآن قبل ان تتم الصفقة .. أرجوك لا تمت الآن ، انتظر ريثما نوقع الأوراق كي أقبض ولو جزءاً من أجري عن اداء دوري في المسرحية .. أجل ! انني أتدلع عليك يا شهال بك .. أعرف أنك تحب ذلك .. اتدلع واتظاهر بالخوف منك ، ما رأيك بنظرة الشوق المشبوب بالخوف التي الصقتها على عيني بين الرموش المستعارة والكحل ؟ .. عظيمة اليس كذلك ؟ والدليل ، انك اخرجت منديلك وبدأت تمسح عرقك .. لا .. هدوءاً يا ابن الستين .. اشحذ سكينك بصبر واناة .. يبدو انك تفقد صبرك بأسرع مما توقعت . كنت اعرف كم أنا جميلة لكنني لم أكن أدري أهمية نظرة البراءة والسذاجة حينما تكسو وجهاً جميلاً وكم تجرد الرجل العربي من مقاومته ..
تسألني : ماذا أريد هدية للعرس ..
آه .. الخاتم الماسي كان مدهشاً ولكن لي رغبة اخجل من الافصاح عنها .. لا .
لا تلح . انني اخجل يبدو انك تصدق انني سأموت خجلاً .. حسناً لالفظ رغبتي مع (أنفاسي الاخيرة) .. هناك بناء تجاه الجامعة اسمه “بناء البستان” فيه شقق مفروشة للايجار ، اريد ان تثريه لي .. البناء كله ..
ولو ( تكرم عينك) . هدية بسيطة بناية فقط . كل هذا الجمال وبناية فقط .. تدخل أمي التي كانت تسترق السمع طبعاً .يسألني شهال بك ، ولكن لماذا هذه البناية بالذات ؟ أقول : لأنني كنت دوماً جالسة في الصف ، زهقانة من الدروس ، فالبنت يا شهال بك خلقت للبيت لا للجامعة مع الرجال
يقول : برافو، عظيم .. تابعي
اتابع ، وكنت أقول لصديقتي المرحومة علياء .. يا علياء .. ياليتني بدل هذه الجارة الواقفة على الشرفة تدلل أولادها وتطبخ لزوحها .. لقد كانت المشاهد (العائلية) في تلك “البناية” هي أول ما فتح عيني على عظمة وضرورة السعادة الزوجية .. ولولا ذلك لما قبلت الزواج ولما تزوجنا ولكنت تابعت دراستي الجامعية ..
شهال بك يهتف : البناية لك . يخاطب أمي وجارتنا أم علياء ، تربية عظيمة . البنت ” جوهرة” .. سأهبط لاستقبال المدعوين . اسرعي يا حبيبتي .
أنا جوهرة . أجل .. أنا جوهرة اللعنة السوداء ، أنا للعين المقتلعة من وجه اله ملئ بالقسوة تفوح منه رائحة الدم والسخرية .
أقول لأمي : اخرجي أنت وجارتنا أريد أن أبقى وحدي قليلاً
اسمع صوتي ، قاسياً ، حيادياً وآمراً .. للمرة الاولى اسمع صوتي الجديد ، أمي أيضاً تدهشها اللهجة ، ولكنها تغادر الغرفة قابلتها صارت ثرية وهامة .
اركض الى الهاتف ، الفندق فخم لحسن الحظ . ذلك يوفر سماع صوت ” السنترال” أدير رقم هاتف وسيم . يرد صوته الكسول .وسيم . أهلاً. أنا مريم . هل تذكرني ؟
يقول بإحترام لم أسمعه قط في صوته : مريم ، طبعاً طبعاً . أهلا مدام شهال . ألف مبروك . ألف مبروك ..
قبل أن يتابع معزوفته أقول له : أنا مسافرة غداً صباحاً الى شهر العسل وسأعود بعد أسبوعين . أحب أن نلتقي بعد ذلك .. كما كنا من زمان .. فالمشاكل العذرية ومخاطر الحمل تكون قد انتهت ، وزوجي كثير الأشغال والترحال ..
يقول : طبعاً .. أتمنى ذلك .. أين نلتقي ؟
أقول : في شقتي
شقتك ؟
_ أعني في شقتك . البناية كلها صارت ملكاً لي . اشتراها لي زوجي هدية للعرس بالمناسبة ، سأحضر لك معي من أوروبا ربطات عنق ثمينة ، وسترتديها لي على التلفزيون . بذل ناعم الصوت يقول : أمرك يا سيدتي ..
_ بالمناسبة ، أرجو أن تبحث عن شقة أخرى . أريد أن أستعمل هذه الشقة البنفسجية بالذات لاموري الخاصة .
_ أمرك يا سيدتي
_ أمرك ياسيدتي .. كم سأسمع هذه الكلمة بعد الليلة . كم ستنحني رؤوس لتقبل يدي . بيروت كلها ستأتي الى عرسي .. بيروت المال والوجهات ستركع أعواماً طويلة عند أقدامي ريثما يذوي جمالي ، وحتى بعد أن يذوي جمالي ستظل راكعة ما دام مالي لم يذوي .. كنت دوماً أرى في الصحف صوراً لنساء كأنهن المومياءات الخارجات من قبورهن ، يرتدين المجوهرات ويلففن حولهن الفراء ، ويظهرن في المجتمعات ويحوم حولهن شبان صغار مساكين .. أجل .. ستظل بيروت راكعة عند أقدامي ما دمت أراعي قواعد اللعبة القائمة ، وأفهم اشارات المرور الحمر والخضر التي تعارفوا عليها ، وأعرف كيف أشتري الضوء الأخضر حين أريد . ولكن من يدمر اللعبة القائمة التي تدمرنا ؟
ولكن لين …
سأهتف لها .. لا أدري لماذا أحس بحاجة لاخبارها بخاتمة القصة . ثم انها هي طلبت مني ذلك ، سأحدثها عن انتصاري .. وعن هرب علياء ..
اهتف اليها .. أقول لها أشياء كثيرة .. أمي تقرع الباب .. وأنا أتحدث . وأمي تناديني من الخارج .. وأنا أروي كل شئ للين . أمي تدفع الباب وتدخل غاضبة ولين ترد علي بعبارة واحدة :
تافهتان . أنت وعلياء تافهتان .. وأنت تافهة وحقيرة .
ها أنا أهبط الدرج ملكة أسطورية الى جميع المدعوين .
ها أنا أضئ .. ها عدسات المصورين تلتمع .. كلمات لين تعذبني .. غداً بعد شهر العسل اشتري دار النشر التي تنشر كتبها والمجلة التي تكتب فيها .. واطردها .
أجل .. صفقوا لي .. ألا ترون كم أنا ساحرة ومشعة .. أنا عذراء بيروت 1973 ( آه .. يجب ألا أنسى الاتصال بالحلاق الوسيم قبل سفري لاضرب له موعداً ولأعطيه عنوان شقتي البنفسجية )

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>