مقالات غادة السمان
حب من الوريد الى الوريد
18 September,2014
مقالات غادة السمان
كوابيس بيروت – 60
18 September,2014

خيط الحصى الحمر

مقالات غادة السمان

مقالات غادة السمان

خيط الحصى الحمر

ربما انقضت ساعة كاملة ونحن أمام البطن المفتوح.
من يدي يتناول مقصاً آخر. المشرط. يغيب بهما في أحشاء المريض. يعيدهما. ملقط . مقص. قطن. روائح الأدوية نفاذة. كلماته صارمة. ربما ستنقضي ساعة أخرى قبل أن ننتهي. البطن ما يزال مفتوحاً. تحت ملاءة بيضاء تختفي بقية جثة مريض ولا يبدو ظاهراً سوى رأسه عند الناحية الأخرى من المنصة.

لا أستطيع أن أستوعب أن هذا الرأس يخص هذا الجسد. وأن هاتين الشفتين سوف تصرخان ألماً من أجل ذلك البطن المفتوح في الجهة الأخرى من المنصة.

هكذا الأشياء تبقى أبداً مفككة في عيني. يخيل إليّ أنني لو كشفت الملاءة البيضاء عنه لما وجدت تحتها شيئاً . مجرد رأس مقطوع مرمي على حافة المنصة، وبطن هو آلة قائمة بذاتها، تعلمنا كيف نعالجها بآلاتنا ما دام لكل شيء تسعيرته.

على أية حال، فالأمر لا يهمني إلى درجة تدفعني إلى التحقق منه. لا شيء يعنيني كثيراً..
مقص. ملقط. بسرعة. بسرعة. ممرضتان مساعدتان . تتأملاننا. نظراتهما تفيض إعجاباً بعبقرية الأخوين الطيبين، أنا وغازي، والنجاح السريع الذي استطعنا تحقيقه في “خدمة الانسانية المعذبة”…
بدأ يخيط الجرح. لماذا؟ لماذا تحب الاحشاء أن تتقنّع باللحم والجلد؟؟ لماذا يسارع الناس إلى ارتداء الأقنعة بحجة حفل “كرنفال ساهر”؟ لماذا صارت حفلات “الكرنفال” الدورية التي أقيمها حديث مجتمع هذه المدينة وموضع إعجابه؟ لماذا تتقنع لوحات صديقي الوحيد نادر بالجدران والباب المغلق أبداً؟ الواقع أنني أحب طرح الأسئلة على سبيل التسلية، فلا شيء يهمني إلى درجة تدفعني إلى استقصاء الجواب.
تلك اللامبالاة، لا أبالي كثيراً بالتخلص منها وإن كانت تحرمني أحياناً من أشياء ربما كانت ممتعة، كالمشاركة في البكاء في المآتم، والتحمس للقضايا السياسية في المقاهي، وجمع المعلومات عن آخر حادثة طلاق في المجتمع.. عن طلاق سعيد وسميحة مثلاً… أو اكتشاف سر مرسم نادر في تلك الليلة مثلاً!

( في تلك الليلة منذ أكثر من شهر…
كما في كل ليلة، جلسنا في مقهى التروبيكانا..
كما في كل ليلة ،قال لي: “أحبك” فضحكت لأنني لم أجد جواباً أكثر سخفاً أقوله!
كما في كل ليلة انطوى على ذاته وقد جرحه استخفافي وبدأ يجول بعينيه في المقهى بحثاً عن أي صديق يغرق معه في حديث سياسي عن بلده ، الذي غادره وزيراً متمرداً، مصمماً على العودة إليه وزيراً منتصراً.
ولكنه، عاماً بعد عام، أدرك أن مدينته التي غادرها لم تعد هناك. والرفاق بيع منهم من بيع، وتشتت من تشتت، وتبدل من تبدل..
لقد استطعت إدراك ذلك كله من أحاديثه مع رفاقه، ولكنني لم أشعر أبداً بأية رغبة في سؤاله عن التفاصيل، أو حتى عن اسم مدينته – كنت أعرف أنها لا بدّ من أن تكون، واحدة منهن، عربية!
عاد يكرر: أحبك…
ولكنه كان جالسا أمامي على مقعد مستقل، وكان على المنضدة فنجانا قهوة لا فنجان واحد، فعدت أسأله: ما معنى أنك تحبني؟
قال: معناه أنني أرغب في أن أكون وإياكِ شيئاً واحداً!
عدت أتأمل فنجاني القهوة المستقلين، بينما عاد يتمم حديثه، قال :
كلانا لاجئ، الحب وحده هو البديل، هو وحده يستطيع أن يسبغ على بيوتنا الميتة صفة الوطن، هل تفهمين؟ الحب وحده خيام سعادة لجيلنا الممزق ..
قلت: لا .. كيف يمكن أن أكون وإياكَ شيئاً واحد؟
قال: بأن أمنحك أعماقي – أسرار بيتي وأسرار عمري، بأن أعري أعماقي لكِ كماض، وأعري وجهي لعينيكِ كحاضر ومستقبل، فأبكي أمامك بلا خجل أو أشتم أو أغني كطفل .. وبأن تحدثني عن حياتك الحقيقة الداخلية.
قلت: انك تعرف كل شيء عني!
قال: أعرف ما يعرفه الناس. ذلك لا يعني شيئاً. أعرف أنك فلسطينية المولد، انك عشت حياة قاسية مع شقيقك في أحد المستشفيات النائية حيث استطاع ان يجمع مبلغاً كبيراً من المال بمعونتك، بعد أن كد وحيداً أعواماً لينفق على دراستك. وانكما الآن ثريان وناجحان، ومن نجوم مجتمع هذه المدينة. هذا كل ما أعرفه..
قلت: هذا كل ما أذكره أنا أيضاً!
قال: أريد أن أمنحك ذاتي دهليزاً بعد الآخر… سأبدأ بمرسمي… انه مكان لم يطأه انسان من قبل – فيه سر لم أبح به لمخلوق – انك منومة مغناطيسياً، وربما ينقذك الحب.
ولما كانت أنفاسي قد ضاقت فجأة، قبلت بالذهاب معه إلى مرسمه الذي يسميه بكهفه، وفرح لأنه ظنني راغبة بذلك.
في الشارع كان الليل دافئاً وفي الأعلى ذلك القرص الأبيض البليد – القمر!
قال: ما أجمل القمر.. طالما عايشت صورته الحلوة في نهر مدينتي، وسمعت الناس ينشدون له.
وتماسكت كي لا أقول له: لا يهمني أن أتذكر أي شيء.. وأعتقد أن القمر يشبه رأساً صلعاء مصابة بالبرص!
في ردهة مرسمه، وقف أمام باب آخر مغلق، وقال: الآن سأفتح لك باب كهفي!
وكنت أحمل بيدي فنجان قهوة أعدّهُ لي بيديه فور وصولنا فقد كانت القهوة الشيء الوحيد الذي يثير اهتمامي…
وبحركة مسرحية، فتح الباب وقال: ادخلي…
ورأيت خلال الباب المشقوق في الضوء المتسلل الشاحب، غرفة عارية تماماً من أي أثاث. وعلى جدرانها عدد من اللوحات المتساوية الحجم تماماً، والمصفوفة بانتظام تام، مما جعلني أتثاءب وأشعر بالنعاس. وأردت أن أترك فنجان القهوة على المنضدة لاسترخي فوق أول مقعد. ولعل يدي ارتجفت حينما سمعت صوته يدوي بوحشية صارخاً: ادخلي… اني أمنحك كنوزي، لنكون شيئاً واحداً!
وكانت القهوة الحارة تندلق من يدي وتلهبها، وهو يكرر لنكون شيئاً واحداً!
لا أدري لماذا وجدتني أصرخ مثله: لا أحد يستطيع أن يكون شيئاً واحداً مع آخر، القهوة اندلقت على يدي، فأحرقت يدي أنا ولم تحرق يدك، وآلمتني أنا لا أنت، وكنوزك لكَ ولا تهمني كثيراً لأنها لا تملك لي شيئاً ..
ورأيت مسامه تتعرق بأسلوب يذكر بالبكاء …. فلم أقل شيئاً، وسمعته في الحمام يفتح الماء بشدة، ثم عاد والماء ما يزال يقطر من وجهه. ولاحظت انه قد غسل أشياء كثيرة من ملامحه، إذ أن وجهه لم يعد يعبرّ عن أي انفعال، ولا أدري لماذا أحسست أنه صار يشبهني كثيراً برغم عينيه الخضراوين الكبيرتين..
أغلق باب الغرفة. قال بتهذيب محنط يشبه كثيراً لهجتي في الحديث: هل ترغبين في الخروج إلى العشاء؟ لا طعام لدي هنا..
ولما لم أكن جائعة، شكرته، وقلت له أنني سأذهب لزيارة سعيد وسميحة لأنني سمعت بأن طلاقهما قد تم البارحة.
وسألني باللامبالاة نفسها: هل سميحة هي التي كانت ترافقك أحياناً إلى مقهى “التروبيكانا”؟
قلت: أجل، هي زوجة المليونير سعيد وكانت ذات يوم بائعة في أحد المخازن الكبرى تطيع إشارات أيدي الزبائن حتى تم زواجها من سعيد!
وحينما خرجت من كهفه، عدت أشم في الشارع رائحة الوباء والأدوية. في كل مكان أشم رائحة وباء غامض، أنا متأكدة من أنه يجتاح المدينة وفي كل مكان، وانه لا بدّ وأن يستيقظ الناس ذات صباح وقد أدركوا هذه الحقيقة مثلي!
ولم أذهب إلى دار أهل سميحة المتواضعة، لأنه لم تكن لدي أية رغبة في اذلالها أو ايلامها، وكل ما كان يهمني من أمرها هو أن تظل قادرة على مرافقتي إلى “التروبيكانا” حينما أرغب في ذلك!

يسحب أخي غازي الغطاء الأبيض على البطن التي تمّت “خياطتها” وتعقيمها، وتلتمع عيناه ببريق مضيء وهو يقول: تمت العملية بنجاح والحمد لله..
يخلع قناعه . يخرج من الغرفة وهو يناديني: تعالي يا نادية لقد تأخرنا!..

***

يقولون أن غازي يقود سيارته بسرعة. لا ألحظ ذلك. ربما كان عدادها الذي يشير إلى المئة فما فوق أكثر ادراكاً مني لهذه الحقائق. الآلات أكثر صدقاً ودقة. أخي آلة نادرة، ولو لم أره منذ خمسة أعوام يبصق دماً في ذلك المستشفى القاحل في ذلك القطر البعيد. لما صدقت أن العطب يمكن أن يصيبه. أذكر أنني يومئذ كنت ما أزال قادرة على البكاء والألم والمحبة. لم أكن كما أنا الآن. أذكر أنني يومئذ…

(عدت إليه أحمل أشياء كثيرة أود لو أعرف كيف أقولها. كنت ما أزال يومئذ أتحدث عن المبادئ والمثل المتداولة في السوق العربية. ممتنة لما فعله من أجلي ومن أجل بقايا أسرتي التي ما زالت في بقايا القدس: جدتي العجوز، أبي الكسيح، أمي واخواتنا الصغار.. وأعينهم المسمّرة على الأسلاك الشائكة…
ولما شاهدت الشمس المحرقة، المناخ القاسي الوحشي، العمل، العمل، العمل ليلاً نهاراً، المرضى، يتساقطون في كل مكان، غرباء لاجئين جاءوا بحثاً عن الرزق إلى بلاد لم يألفوا قسوتها، جيوبهم خاوية وصدورهم خاوية إلا من المرض والذكرى، لما شاهدت هذا كله لم يدهي أن أرى أخي الطبيب يبصق دماً من وقت إلى آخر في منديله بعد أن يتلفت حوله ويتأكد من أن أحداً لا يراه.
وتظاهرت بأنني لم أره. ولكنني ليلتئذ بكيت للمرة الأخيرة في حياتي ثم اختلطت الأشياء. ثم صرت مثله: انه آلة تعمل بلا تفكير. ثم اكتشفت أنه ما زال يفكر، وانني لن أبصق دماً مثله، لأنني كففت تماماً عن المبالاة بأي شيء! حتى رائحة الوباء التي أشمها أينما تحركت، لم تعد تضايقني.)

في الساحة الحلوة أمام دارنا الكبيرة يوقف أخي السيارة. يسعل . أشيح بوجهي عنه كي أمنحه الفرصة ليدفن الدم في منديله بسلام.
كلانا اعتاد هذا الفاصل من السعال الدامي. نعيش كأنه غير موجود. كلانا يتجاوزه. وهو يطوي منديله قال: نادية هل كل شيء جاهز؟
– طبعا.. بعد ساعة ستكون الساحة مزدحمة بالسيارات.. والبيت بأقنعة الضيوف.
فأجاب: الضيوف والأقنعة لك.. كل ما يهمني أن يكون صوت الموسيقى عالياً عالياً، بحيث لا اسمع صوت مدافع العيد!
– لماذا؟
– لأنني لا أريد أن أسمع صوت مدافع العيد!..
ولا أدري لماذا تذكرت حديث نادر عن القمر والنهر في مدينته، وكدت أنفجر ضاحكة لو لم يسعل غازي من جديد!

***

الدار، حظيرة أصوات مختلفة تنبعث من تحت أقنعة مختلفة… شيء يشبه الضحك، والحوار، والموسيقى والترحيب والهمس..
وأنا وغازي اخترنا أقنعة القراصنة. ننتهي من تنكرنا قبل وصول ضيوفنا سادة المدينة..
ليس من الصعب علي أن أميزهم رغم أقنعتهم . فوجوههم لم تكن قط حقيقية كما هي اليوم. ها هو النائب الكبير السيد فوزي في قناع نعامة، زوجته في ثياب جارية تراقص سفيراً في قناع بهلوان. مشاهد ممتعة حقاً. السيد سعيد مع عشيقته الجديدة في زي لاعب كرة قدم ترافقه غجريته، وزوجته المطلقة سميحة في زي الارملة الطروب وقد أخفت وجهها تماما. ألحظ ان نادر لم يحضر. كنت أتوقع ذلك فقد صار يشبهني كثيرا بلا مبالاته!
سعال غازي: هل أنت بخير؟
– أجل.. ارفعي صوت الموسيقى، لا أريد أن أسمع صوت مدافع العيد!..
– ما زال الوقت مبكراً…
– من يدري.. ربما فاجأتنا !.. سوف أنسحب بعد أن يعلن العيد لأنام، لأن علينا أن نلحق بالطائرة غداً باكراً..
– انها المرة الأولى التي أزور فيها أهلنا والقدس منذ عشرة أعوام يا غازي…
– أما أنا، فلولا هاتف جدتي، تلك العجوز العجيبة، لولا صوتها لما ذهبت قط إلى هناك.. فهم بحاجة إلى نقودنا.. وأخشى لو ذهبت لما عدت..

يغرق في نوبة سعال حادة. أتركه إلى إحدى الحلقات التي كان أصحابها يتحدثون بحماسة كبيرة رغم الصخب.. زوجة وزير كانت أعز صديقة لسميحة هي التي تدير الحديث، وترشق الوقود من وقت إلى آخر كي لا يخمد. تقول: أنا، أعزّ صديقاتها، كانت تغار مني لو صافحته .. أليس كذلك يا سعيد بك؟
وتجدها متصابية، شعرها الاصطناعي جميل جداً. فتصرخ: وكانت إذا جاءت إلى الحلاق تطلب منه أن يترك الحاضرات كلهن ويمشطها لأنها حرم سعيد بك!
ويتدخل مستوزر : كنا لا نجرؤ على زيارة البيك…
وعرفت فيه المستوزر الذي كان معروفا بتعلقه بها..
وتتسارع الأصوات وتتشابك: “وكانت قذرة.. وتهمل أولادها، ولا تعرف كيف تتصرف في المجتمع الراقي…
ويتحرك شبح امرأة جاءت في ثياب الارملة الطروب منسلا من القاعة. الحق بها: سميحة.. إلى أين؟
أدرك انها تبكي رغم قناعها. تهمس بمرارة: كانوا جميعاً يتملقونني. ليس فيهم من لم يأكل على مائدتي.. والآن!
تخرج. بالنسبة إلي الأمر عادي جداً ومتوقع. . لماذا لا يدركون جميعاً أن الوباء قد سرى وانتهى الأمر، وليس هناك ما يدعو إلى الحزن أو الفرح ، أو حتى التمرد؟
الموسيقى ؟ فلتصرخ!
وقع أقدامهم على الأرض؟ فليصبح مسعوراً!
أحاديثهم؟ فلتعل، ولتعم الفوضى، كي لا يسمع غازي مدافع العيد ما دام لا يريد ذلك!
أنا وأخي آلة متضامنة وانصياعي لبعض رغباته آلي، لا دخل له بعواطفي الميتة أو رغباتي المحنطة..
فجأة، تنطفئ الأنوار كلها.. تصمت الموسيقى دفعة واحدة، ومعها تسكن أقدام الراقصين وتتوقف الأحاديث..
أصوات احتجاج مختلفة شبه هامسة.. ماذا حدث؟
انقطع التيار الكهربائي.. خطى تتسارع إلى النوافذ تزيح الستائر. الحي كله مطفأ. غازي يتجه نحو النافذة ليتأكد مما قيل. نسمع طلقة المدفع الأولى. أراه ينتفض كأنما تلقاها رصاصة في ظهره… تتوالى طلقات المدافع وتتساقط أضواء الشموع التي توزعها الخادمات في القاعة على وجوه ضيوفنا الباشّة، وعبارات التهنئة المتناثرة مع أصوات القبل: عيد سعيد..
ويجيب غازي بنوبة سعال، أما أنا فلا أفهم عن أي عيد يتحدثون!
لولا أن جدتي أيام كانت قادرة على السفر، كانت تلاحقني من مدرسة داخلية إلى أخرى من عيد إلى آخر، لما سمعت عن العيد إلا من الصحف.
بل إنني ظللت سنوات عديدة أظن العيد رجلاً متكبراً، لا يزور إلا الأطفال الذين لهم أم وأب، والبيوت الفخمة. أما الخيام، والضائعون، فالعيد يكرههم لسبب أجهله، ولا يمر ببابهم.
ذلك كله لا يعني أي شيء لدي.. وحينما أذكره، يغمرني ذلك الشعور باللامبالاة، الذي يرافق استعادتنا لفيلم عتيق نسيناه!..

***

الأنوار مطفأة . الشموع متعبة متماوتة. تزيد رعشاتها من اهتزاز الظلال في قسمات وجه غازي المتشنجة المتعبة. لقد ذهب الجميع…
لا أشعر برغبة في النوم. سأخرج قليلاً بسيارتي لأنني أحب أن أسمع صرير العجلات حينما أضغط على الكابح. يضايقني أن يستوقفني غازي لأنني لا أرغب الليلة في مزيد من النظر إلى وجهه. يهتف : نادية!
– ماذا بك؟.. لماذا لا تدعني وشأني وتحلق ذقنك الطويلة التي حرمتها من الموسى بحجة التنكر بزي قرصان؟
ضحكة مغتصبة. سعال. يهمهم كما يفعل الناس الذين يظنون أن لديهم شيئاً هاماً يتحدثون عنه ويستعدون لذلك.
لم يخطئ حدسي . يقول: هل أنت ذاهبة لرؤية نادر؟
– نادر؟ لم يخطر لي ذلك. ولكنها ليست فكرة سيئة!
– نادية.. تعرفين أنني لم أتدخل أبداً في حياتك.. ولكن، ألا تشعرين أننا كالطحالب وحياتنا بلا معنى ولا جدوى؟
– لا أشعر بشيء…
– ألا تشعرين بأننا نشتري كل شيء بالنقود التي نقبضها ثمناً لبيعنا المستمر لنفوسنا؟ اننا بحاجة لارتباط حقيقي…
– لا أشعر بشيء…
– علاقتنا بما حولنا مفتعلة وقائمة على الظرف الحالي لا على رابط انساني مشترك نلتف حوله أبداً…
– لا أشعر بشيء…
– وماذا بعد؟ سوف أظل أبداً هكذا.. أبداً هكذا.. اني متعب، وسئم، والقرف يقتلني!
– لماذا لا تحلق ذقنك؟ قد تتحسن حالتك، أو تنتحر مثلاً إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا تنتحر؟؟
يدهشني أن أراه ينهض نحو الحمام، أتبعه وشمعة أخرى في يدي. يترك ذقنه وهو يتمتم:
– لم يعد لهذه الحياة المشردة معني.. تحولنا إلى آلات تتسول جنسية ومجتمعاً. في مثل هذه الليلة ، في مثل هذا العيد، اواه لا أجرؤ على الذهاب إلى هناك.. القدس. سوف أرقبهم جميعاً ولا أملك لهم شيئاً. لا أملك شيئاً لجرحهم المفتوح.
أتركه يدمدم. أخرج بسيارتي إلى الشوارع التي لما تفرغ بعد. ما زالت بعض المخازن مضاءة. غداً يحتفلون . لقد كبرتُ في أجواء علمتني إنه لم يبق لنا ما نحتفل به أو نحزن من أجله!
لم يبق هنالك ما يناقش أو يكافح. الوباء الغامض لا أعرف اسمه، أحسه في المدينة ينتقل بين الجميع، ويدهشني أن أحداً فيها لم يشاركني فرحتي يوم رأيت مفارز التلقيح الاجباري تجوب الشوارع.
إلى أين أذهب الآن؟
لا يهم ما الفرق؟ لا أذكر أنني سمعت من حديث غازي الأخير سوى اسم نادر، نادر، لا بأس، سأمر بكهفه المهجور قليلاً!

***

ضربة واحدة على الباب. صوت حركة غير عادية في الداخل الباب. لا يفتح وخطى راكضة في الداخل. الأمر لا يهمني. سأعود إلى سيارتي وأنا أهبط الدرجات الأولى بتكاسل، أراه يفتح الباب:
– نادر مرحباً!
– أهلاً.. تفضلي.. ما هذه المفاجأة؟
على وجهه لا يبدو أي أثر للمفاجأة.. وكلماته عادية لا لهفة فيها ولا تخوف. وعدت أصعد الدرجات القليلة لأنني أشعر برغبة في قدح من القهوة، وهو يتقن اعدادها..
ادخلي.. على أحد الكراسي قناع “الارملة الطروب” وقد علق بالباب الذي يفضي إلى الحمام جورب أسود، وتشويش الردهة، وكؤوس الويسكي شبه الفارغة.. وفهمت بسرعة!
المشهد عادي وسخيف ومكرر لا يثير أكثر من مللي!
نادر في المطبخ يعد القهوة. باب كهفه المقدس مفتوح. ربما في الداخل شيء آخر مثير يطرد مللي. أتثاءب وأنا أرى اللوحات إياها مرصوفة بالنظام نفسه. أضيء النور. ربما كان فيها ما يدفع النعاس!
أرى في الغرفة ذات الجدران الأربع 24 لوحة. ست لوحات لكل جدار. كلها نسخة واحدة لوجه انسان هو نادر. كلها متقن ورائع انه يرسم نفسه. لا يقدر إلا على رسم نفسه. فكرة حسنة، غداً أدفع عن نفسي الملل بها!
رائحة القهوة. نادر أمام الباب. يتحدث بهدوء تام كأن الأمر لا يعنيه: تفضلي قبل أن تبرد القهوة!
أعود إلى الردهة. أفكر بسميحة التي لا بد أنها ستصاب بالبرد في الحمام.
– نادر لماذا لا تسكب لها فنجاناً آخر وتناديها؟
– آه.. فعلا.. لقد نسيت انها في الداخل!
نضحك معاً. ينهض نحو باب الحمام ويفتحه قائلاً: تفضلي يا سميحة وشاركينا القهوة!
تخرج مشعثة الشعر ذليلة التعابير. فجأة تتنمر، تنشب أظافرها في وجه نادر وترميني بنظرات نارية صارخة: أيها الحقير.. وثقت بك وجئت وها أنت تستهر بي!
لا أستطيع أن أفهم سبب ثورتها. أحسها هاربة من مسرح ما وقد تَلَبسها دورها فهي تمارسه في كل مكان بمناسبة وبلا مناسبة . نادر أيضاً يبدو على وجهه أنه لا يستطيع أن يفهم، لكنه يحدثها بلغتها مهمهاً: لكنها صديقتك..
تصرخ في وجهينا كساحرة: كلاكما لاجئ حقير.. لاتفهمان ظروف أبناء المجتمع.. كلاكما لاجئ حقير.. حاقد، بلا ضمير!
ولما قلت لها، ان لا تنسى ارتداء جوربها، ظلت تردد: كلاكما لاجئ.. بلا ضمير!

***

أمام الدار، في الساحة الكبيرة التي عادت شبه فارغة، أترك سيارتي. أضغط زر الكهرباء، تسطع في الدرج. إذن أستطيع إعداد حقيبتي في الليل مادام غازي قد قرر أن نرحل غداً إلى القدس..
ماذا سأجد هناك؟ لا أتوقع أن أجد أي جديد في أي مكان، لذا لا شيء يثيرني.
أدخل إلى غرفتي وللمرة الأولى لا يرافقني سعال غازي.
جدتي يجب أن لا تلحظ أنه يبصق دماً. هذه المرأة وحدها تضرب في أعماقي وتراً مبهماً لما ينقطع بعد لكن أصداءه تنطفي لحظة بعد لحظة في داخلي…
سأذهب إلى غرفة غازي لأسخر قليلاً من ذقنه المحلوقة وأطلب منه أن يوقظني صباحاً!
أدخل إلى غرفته، وأضيء النور. الفراش لم يمس . اقترب من الحمام. وفي النور الساقط إلى الداخل، أرى غازي ممداً على الأرض يسبح في بركة من سائل أحمر. أضيء النور. أتقدم منه. وجهه مصلوب نحو السقف، نصف ذقنه محلوقة والموسى قد مزق بها شرايين يده بوحشية وشدة، والجسد كف عن النزف.
وحتى البالوعة شربت من الدم ما تستطيع امتصاصه..
لم يبق ما استطيع أن أقوم به…
وأنا أوقظ الخدم، كان حسد كبير يأكلني للمرة الأولى..
شعرت انني أغار من أخي. لا ريب في أنه كان قد أحب شيئاً كبيراً ورائعاً بما فيه الكفاية لأن يقطع شرايينه لما فقده…
وهم يخرجون بجثته من الدار عاودتني غيرة مريرة منه، فقد أدركت أنه بطريقة ما استطاع أن ينجو من الوباء.

***

القدس.
وبصوت مسرحي اعتاده سائق التاكسي الذي ينقل السياح من المطار إلى فنادقهم يقول : هذا الخط يفصل بين القدس المحتلة والقدس العربية ..
وتذكرت بكاء جدتي لأن دار عمي تقع خلف الخط، وتمنيت أن لا تكون في الدار كي أجد القدرة على أن أقول لهم أن غازي انتحر!
أجدني أغمغم : وإذا تصادف أن دار إنسان ما تقع خلف الخط واشتاقت عجوز إلى رؤيته ..
يقول وقد استحال فجأة إلى شخصية مأساوية تخرج من دفتي كتاب أخفيته طويلاً في أظلم ركن في ذاكرتي : يعودون به ورصاصة في صدره..
بالضبط لا أدري ما الذي يضرب على وتر منسي في أعماقي. ربما كان مشهد ذلك الفيلم الغريب الذي يلوح بين الغسيل المنشور، ربما كانت الأرصفة التي طالما تعثرت بأحجارها.. ربما كانت رائحة الملح والزيتون في الصخور!
لا أعتقد أن نبأ انتحار أخي قد بلغهم بعد، ومع ذلك أدخل الدار، ولا أدري لماذا أحس أنني ارتكبت جريمة بطريقة ما، ولا أتوقع من أحد أن يسارع إلى استقبالي، لذا لم يدهشني أن الوجوه كلها كانت حزينة وباكية، وان واحداً لم يفه بحرف واحد. كانوا يرفعون وجوههم إلي واحداً بعد الآخر.
بصمت دامع.. أسير في الغرفة محاطة بهذا الموكب المرعب.. لا أدري لماذا تقودني نظراته إلى الداخل .. أحس أن في الداخل مقصلة ويجب أن أدخل وأن أتركها تسقط على عنقي..
في الداخل كانت عجوز ممددة على الفراش ورصاصة في صدرها .. جدتي.
ولولا الابتسامة التي طالما رأيتها على شفتيها وهي تحمل إلي حلوى في أعياد غابرة لما سألت: لماذا؟ كيف؟ .. لمن كانت تحمل الحلوى هذه المرة؟
ربما كان صوت أبي: إلى دار عمك خلف الأسلاك الشائكة.. كل عيد، تغافلنا وتود الذهاب.. وتقول ان الرجال ماتوا والجيل الجديد “مفسود” ولم يبق إلا العجائز!
من النافذة استطيع أن أرى ذلك العلم الغريب بين الغسيل المنشور ، أنهم يتابعون حياتهم العادية بسلام … ونحن .. نحن هناك جدار الرصاص … ربما كان خيط رفيع من الدماء على التراب بين عتبة دارنا وذلك الجدار ..
وأذكر أسطورة من أساطير جدتي .. قالت أن أطفال الغابة لما ضلوا طريقهم، استطاعوا العودة مسترشدين بخيط من الحصى خلفته لهم جنية تحبهم ولا تنسى، وتعرف كل شيء ..
المشاهد كلها تغيم، وخيط الدم هذا أراه الآن بوضوح، خيط من الحصى الأرجوانية الثمينة في عتمة الغابة، ممدودة نحو تلك الأرض العتيقة ..

من مجموعة ” ليل الغرباء”

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>