قصائد غادة السمان
عاشقة تكتب على سطر الأفق
12 September,2014
أحبك - مي نصر - كلمات غادة السمان
أحبك – مي نصر – كلمات غادة السمان
13 September,2014

القيد والتابوت

مقال القيد والتابوت بقلم الكاتبة غادة السمان

مقال القيد والتابوت بقلم الكاتبة غادة السمان

 

القيد والتابوت

وتمزق ظلمة غرفة النوم الانيقة صرخة ميرنا . صرخة فيها من الانين اليائس اكثر مما فيها من النداء المستنجد ..
ويقفز فؤاد من سريره ليضئ النور بينما تستحيل صرخاتها الى كلمات :”فؤاد .. مات أبي .. مات أبي ..
يقترب منها ويمسك بها من كتفيها يحاول أن يغمرها بنظرات دافئة حانية ،
لكنه رغما عنه يحس برعدة باردة وخازة تجتاح جسده بينما هو ينظر الي عينيها السوداوين ويرى انهما ازدادتا اتساعا ، وعمقا،
وان اشباحا من غيوم سود معولة تدور فيهما كدوامتين مرعبتين في عيني عرافة ..
ميرنا .. ماذا حدث ؟ كنت تحلمين ..
_للمرة الثالثة .
كفاك أوهاماً ..
_ وكان أبي يلتهب فوق غابة موحشة
كفاك أوهاماً ..
_ وكانت النجوم فوق الغابة ترسل أضواء حمراء كاللهب الذي يخرج من فم تنين ..
كفاك أوهاماً ..
ولم يصرخ او يستنجد .. ثم سقط بين الاشجار سحابة من رماد .
كفى .
_ ثم هبت ريح مشحونة بالعويل وبموج شرير كأنياب ذئب اعمى وغمرت الغابة ..
_ ميرنا .. ماهذه الاوهام يا عزيزتي ؟
وتصمت ميرنا ، ولا يجرؤ فؤاد على النظر في عينيها ثانية . ويهرع ليطفئ النور خوفاً من عيني العرافة .
تتنهد ميرنا بارتياح حينما يرتمي الفجر من النافذة كانها قضت الليل كله وهي تفرغ امواجه السود بعيداً .. وبصدفة مثقوبة ..
وهاهي امواجه قد انحسرت ، والشمس الحبيبة ، كما تحبها اليوم لانها طلعت اخيراً .. لم تعد تستطيع الانتظار . تركض الى الهاتف . اصابعها تتشنج فوق القرص وترتجف ، بقلق متهم ينتظر القرار الاخير ..
_الو .. اريد ان أتحدث مع أبي ..
صوت ممزوج بالدهشة يجيب : لكنه نائم . هل اوقظه يا سيدتي ؟
_ أجل
تمر لحظة صمت تحسبها طويلة ..
وتسمع صوته الحبيب متخماً بالنعاس : الو .. ميرنا ..
_ صباح الخير .. (يسمعها مرتعدة لاهثة )..
هل جرى شئ ؟ ماذا بك ؟
_ أبداً .. لاشئ .. ولكن ..
انها السادسة صباحاً .. هل حدث شئ؟
لا .. ابداً .. آسفة ولكنني ..
ماذا ؟ قولي .
أحببت أن أذكرك بموعدنا الليلة ..
طبعا حبيبتي .. سوف نسهر عندك كما اتفقنا .. والآن .. قولي السبب الحقيقي الذي جعلك تهتفين الآن .. هل فؤاد بخير ؟
_ أجل انه نائم .
والأولاد ؟
_ لا تقلق . لا خطأ في الدار . الخطأ في ساعتي التي تشير الى الثامنة والتي جعلتني أزعجك .
هذا غير صحيح ..
_لماذا ؟
ساعتك هدية مني انتقيتها لك بيدي .. وانا عادة انتقي اشياء لا تخطئ .
وتصمت . كم تحب ذكاءه حين يوقع بها . ستعترف . وينقدها بضحكته الحلوة وهو يقول : على اية حال انا مسرور بسماع صوتك .. الى اللقاء .
وميرنا ، رغم الغرفة الدافئة وضحكات الضيوف المرحة ورائحة الثراب ، تحس بضيق عجيب ، تحس انها وحيدة تسير في الشوارع الطويلة الحزينة وان الريح الدامعة تمزق خديها وعينها وأهدابها .. تسير بحثا عن شئ تخافه .. قلقة لأن ضربة مجهولة ستنقض عليها .. بقسوة .. بطريقة ما ..
يميل فؤاد عليها هامساً : ميرنا .. ماذا بك ؟
تبسم .. ويتذكر الموناليزا : لاشئ يافؤاد ..
وتتأجج النار فجأة في الموقد في ركن الغرفة . يرى الدوامتين الحمراوين في عينيها الغامضتين كعيني عرافة .. ويحس بالرعدة الباردة الوخازة .. وتعود ضحكة اميل لتطرد كل شئ من عينها ومن عروقها .. البرد ، ودوامتا الدم ، والشوارع الحزينة .. وتتأمله وهو يتكلم دون أن تسمع ماتسمع .. هذا الوجه الذي يتقد حيوية وجمرا ، هذه الملامح التي تنبض عضلاتها برقصة الحياة المرحة ، هل يمكن أن تهدأ .. أن تسكن ؟
لا .. لن تستسلم لذلك النذير الموجع في صدرها .. لن تستسلم لاحلامها المزعجة ..
وتعود ضحكة اميل لتطرد كل شئ .. يطفح وجهها بشرا وتمد يدها لتأخذ الكأس التي أعدها فؤاد لها . وابتسامة دافئة .
ونمر يضحك . وأمها رائعة . وصورة أبيها على الحائط وراءه .
والاولاد نائمون . الغرفة دافئة . كل شئ بخير .. لماذا تهرب ؟ ولكن شيئاً غريباً دخيلاً على الأصدقاء تحسه يتسكع في الغرفة .. وتتلفت حولها .. من الغريب ؟ .. من الدخيل الذي كانت تبحث عنه وتخافه في تيهها المبهم في الشوارع الحزينة الفارغة .. من الدخيل ؟ لا تراه .. لكنها تشم رائحة كآبة عتيقة تفوح من كيانه المبهم .. لكنها تسمع همهماته الشرسة عقب كل ضحكة من ضحكات أبيها .. لكنها نحسه محثوراً في مخمل الستائر .. في المخمل الاسود الذي يغطي منضدة جانبية صغيرة عليها تمثال أسود لحيوان غريب الهيئة ، حيوان خرافي تجمعت الهمجية والشراسة والعشوائية والسخرية في انفراجة أنيابه المدببة .. هذا التمثال ، لا تدري الام يرمز .. تسمع أباها يهتف فجأة لقد احضرت لك هدية يا نمر .. ضاحكا ، يسأل نمر .. اظنك احضرتها رداً على هديتي الفاخرة .
وما هديتك الفاخرة ؟ تسأل ميرنا .
لقد اهديت والدك .. قيداً ذهبيا نحمله به الى الذين حكموا عليه بالاعدام في البلاد المجاورة ..
ويخرج اميل من جيبه قيداً ذهبيا اسطوري النقوش كأن صائغه من عير البشر .. بينما يرفع نمر رأسه ضاحكاً :
_ نخب اعدام صديقنا العزيز .. وتنتفض ميرنا كأنها تشهد مسرحية مذهلة وتنظر الى أمها لورا مستنجدة بينما يشرب اميل ببساطة .. ويشرب .. ويشرب نخب اعدامه .. وتحس بحاجتها لان تصرخ لكن نظرات فؤاد المحذرة بالمرصاد .. انه يفهمها أكثر مما ينبغي ..
ويكمل اميل بينما هو يضع القيد الذهبي على مخمل المنضدة الصغيرة أمام تمثال الوحش المجهول والآن ، خمنوا ماذا أحضرت لنمر .
لا شك في أنك أحضرت هدية من صنع الصانع نفسه .. الآن افهم لماذا سألتني أن ارشدك الى من صنع القيد وادعيت انك تريد شراء سوار للسيدة لورا ..
_ فعلا ، لقد ذهبت الى الصانع نفسه .. سرت كما قلت لي الى “شارع الزعقة” ودخلته من جهته الشمالية وبدأت أعد المخازن على الرصيف الايمن حتى وصلت الى المخزن السابع ..
اذن فقد قابلت الرجل العجيب الذي حدثتك عنه ..
_ رحل ؟ .. اسمه كذلك مجازا إذا أردت .. انه لا يشبه الباعة او الرجال في شئ .. انه ..
وترهف ميرنا اذنيها لسماع وصف الرجل العجيب الذي يشتريان منه هداياهما ، ولماذا هو عجيب .. لكن أباها يمسك فجأة عن وصفه كأن قوة لا تقهر تسيطر على لسانه ..
انه على كل حال صائغ مدهش . لقد اوصيته على سوار السيدة لورا فرفض ان يصنعه .. لكنه ابدى استعداده لصنع هديتك عن طيب خاطر .. وكاد يرفض الثمن .. قال انه سوف يتقاضى الثمن من ..
_ ممن ؟
لا يهم .. دعني اقدم لك الهدية الرائعة ..
وتجمد ميرنا وهي ترى أباها يخرج من جيبه تابوتاً ذهبيا صغيراً ورغم امتعاضها لا تملك الا الاعجاب بدقة صنعه بينما تهمس للسيدة لورا منومة : حقا .. كأنه ليس من صنع البشر .. ينفجر نمر ضاحكا بمرح عجيب ..
يا للهدية الرائعة .. تابوت رائع .. ثمين .. سأحتاجه ذات يوم بشرط .
ماذا ؟
يضحكان ، وتفتعل ميرنا الضحك ، تجاريها أمها وفؤاد .. ويمرر اميل التابوت الى ميرنا وامها وزوجها الذين يقبضون عليه واحدا بعد الآخر بضيق مبهم ويدهشون اذ لا يحسون له وزنا في ايديهم كأنه سحابة وهم ذهبية … وأخيراً يصل الى يد نمر الذي يطبق عليه بكلتا يديه في حنو عميق ويهزج فرحا : عظيم يا اميل .. انه يتسع لي .. اظنه مريحاً .. ثم يضعه فجأة الى جانب القيد فوق المخمل الاسود أمام تمثال الوحش غامض السخرية .. وتنقضي السهرة وهي لا تسمع شيئا سوى اذار ، الجنية الشريرة التي انطلقت في شوارع بيروت الطويلة الحزينة ، وفي ” شارع الزعقة ” وامام المخزن السابع الذي اشتريا منه هداياهما البغيضة ..
وقبل أن تنام ، تتذكر أن ضيوفها قد نسوا هداياهم .. وتعود الى الغرفة فترى القيد والتابوت امام تمثال الوحش المجهول ذي الأنياب الساخرة .. ولا تجرؤ على الأقتراب منهما أو لمسهما لانه يخيل اليها ان تمثال الوحش بقهقه بصوت مسموع ..
ترفع ميرنا سماعة الهاتف بتكاسل : ميرنا .. صباح الخير ..أهلا ماما .
_كيف أنت ؟
بخير .. ما أخبارك ؟
_ لاشئ .. سافر اميل ونمر
كيف ؟
_ بالطائرة .
وهذا الجو اللعين ؟
_ قال أن الجو بالذات يغريه ..
ترفع ميرنا سماعة الهاتف بتكاسل
_ هالو .. نعم .. نعم .. ماذا.
تصرخ فجأة وقد استحال كسلها الى تحفز نمرة مفتوحة الجرح ..
ماذا ؟ .. ماذا تقول .. مستحيل ..
تصرخ . سماعة الهاتف تسقط من يدها وتنوس معلقة في الهواء كذراعي يائس يهوى ..
لا يمكن أن يكون أبي قد مات .. لا يمكن .. طائرته سقطت في البحر ؟ مستحيل ..
وتركض باكية مجنونة الى سيارتها ، وتندفع بها في الشوارع الذي طالما عرفته وأحبته ، الى داره .. تتسلق ولما تمحي آثار اقدامه عنها .. تدخل الدار مجنونة .. هذا مقعده .. مازال موضع جلسته فيه مقعراً .. لا يمكن .. أين .. أين أمها ؟
_ ماما .. ماما .. البابا مات .. مستحيل .. قلت انه سيعود .. متى ؟ متى؟ ..
أيام من الهباب الأسود الملطخ بالدمع . يبدو أن الذين يذهبون لا يرغبون بالعودة ان أحداً منهم لم يعد أبداً .. وفي الشارع ،
يشيعون جثة نمر . في تابوت ، لا تجرؤ على ان تطل من النافذة لتراه ، لابد أنه ذهبي اللون .
أما أبوها ، فسيظل أبداً بلا تابوت ، مقيداً الى أعماق البحر حيث الصمت والظلام الملون الرهيب .. آه كم كان يكره الصمت .
وتنفجر دوامة الدم في عيني العرافة بينما تدخل أمها صارخة : ميرنا .. ميرنا .. اين هدايا أبوك ونمر .. أين القيد والتابوت ؟
في مكانهما حيث تركاهما .. على المنضدة الصغيرة .
_ لم أجد شيئاً .
لعل أحداً قد غير مكانهما .
_ سألت الجميع قالوا أنهم لم يروا شيئاً أبداً ولم يلمسوا شيئاً وبدت الدهشة على وجوههم وأنا أصف لهم القيد والتابوت .
وتسير ميرنا نحو الغرفة بصمت جريح ملئ بالكبرياء .. بصمت من بدا يجد الحقيقة ، وبدأ يعيش عذاب برومتيوس .. وكانت واثقة من ان احد لن يجد بعد اليوم القيد والتابوت .. فالقيد .. القيد تراه الآن يشد أباها الى أعماق البحر حيث الأعشاب الرخوة وأسرار القاع .. والتابوت . تراه أيضاً في الضبابة نفسها يضم جثمان نمر .. لقد قال نمر انه مريح .. تراه وحده هكذا حقا ؟..
بصراحة تخاطب أمها : لا تبحثي لن نجدهما .
لماذا ؟
_ لأنهما من المخزن السابع الذي ..
وتلتقي نظرات الأم وابنتها . ومضة برق تصل بين عينيهما تفهمان بصمت ما لا يفسر ..
ميرنا تسير نحو ” شارع الزعقة ” . تدخله من الناحية الشمالية . تعد الدكاكين واحدة بعد واحدة على الرصيف الايمن .
آذار جنية شريرة مازالت تنفخ الريح الدامعة بالمطر والعويل الغامض وهي تقاوم فكرة مرعبة جاءت لتتأكد منها .. أنها تحصي المخازن .. مخزناً .. اثنين .. ثلاثة .. أربعة .. ستة .. ستة مخازن فقط .. أين المخزن السابع الذي اشتريا منه هدايا الموت .. من الصائغ العجيب الذي امسكا عن التحدث عنه في اللحظة الأخيرة .
لم يكن في وجهها دهشة ، فقد كانت واثقة من أنها لن تجد المخزن السابع .. كان فيه رعب حاقد مستسلم .. ادراك مكثف للحقيقة .. للمخزن السابع في كل مكان والصائغ الذي يهدي الجميع .

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>