قصائد غادة السمان
عاشقة تطير مع بوم الدهشة
14 September,2014
قصائد غادة السمان
ابن زيدون يستجوب ولادة العاشقة
14 September,2014

عاشقة قالت: لا بحر في بيروت!

قصائد غادة السمان

قصائد غادة السمان

عاشقة قالت: لا بحر في بيروت!

كيف أنسى تلك الغابات،

حيث ذرى الأشجار والقمر يتبادلان القبلات؟

وسيارتك تركض بنا إلى الليل..

بينما نتشاجر ونتبادل الاتهامات،

ونلتهب غيرة حمقاء..

دون أن نعي.. كم نحن سعداء!

متى تنتهي مواسم الديكة المتقاتلة هناك

ويبدأ موسم العودة إلى البحر؟

آه تعبنا من الهرولة في الغربة كالسلاطعين..

على شطآن ليست لنا..

تعبت من ارتداء وجه لا يخصّني

راكضةً فوق خرائط مكهربة بالثلج والغبار الذري

تلك الذكريات هناك تدميني..

من قال “لا بحر في بيروت”؟..

***

ها أنا ضالة بدونك، أهيم في الفضاء

مثل بالون أفلتته يد طفل في العيد.. ونسيته!..

ها أنت تلتصق بذاكرتي كصداع نصفي..

وتنهش زمني كسمكة قرش مثالية..

ها أنا أقفز خلفك

على عكازيّ الأبجدية،

وأكاد أسقط على سلالم سوء التفاهم..

دلّني على الدرب إليك لأعود..

من قال “لا بحر في بيروت”؟

***

أنفاسي المحمومة في الصباحات الباردة

تكتب لك بأصابع البخار

على زجاج نوافذ محطات الغربة:

النجدة.. النجدة..

خذني إليك.. لفّني حولك كالعباءة

ولا تدعني أغادرك أبداً.. كالكفن..

آه عبثاً أداعب شعر فراقنا وألاطفه

وأزين له حقيبة سفره بالنياشين

وأصفق له مشجعة،

كي يغطس بقدميه في زرقة السفر

دون أن ينقضّ على ذاكرتي الطاعنة في الحب.. فيوقظها..

عبثاً أقنع نفسي أن حبك

يرعبني مثل خابية مليئة بالعظام والجماجم

تحت سريري!..

ها أنت تنبض حياةً سرّية وتنتفض داخلي

كقلب طفل مريض تحت خيمة الأوكسجين…

من قال “لا بحر في بيروت”،

ولم يختنق بها؟..

***

تعبتْ مني باريس،

وتعبتُ من السلالم المتحركة للتشرد المعدني،

وأبواب الفنادق الفاخرة العدوانية

التي تنفتح من تلقاء نفسها

حين تقف أمامها كشبح من مملكة الجنون..

تعبت من رائحة سم الصراصير

في المصاعد الخشبية العريقة، الضيّقة كالتوابيت..

تعبت من السجاد العفن الفاخر

في البيوت المصفرة كأسنان المحتضرين،

وروائح النفتالين تفوح من نوافذ بلا شمس..

وأحجار المباني الصلدة بالغطرسة، المحيطة بي

شواهد متعددة الأشكال على قبري..

تعبت من رائحة “ماء جافيل”

في ملاءات فنادق الغربة

وأنا أنسل إليها حاملة حيرتي ووحشتي

وأغادرها فجراً مزرقة كالجثة في الترعة..

تعبت يا حبيبي من ذاكرة مضرجة بالأشواق

مثخنة بالوطن، فهلا علمتني كيف أنسى

كما نسي الآخرون مؤكدين: “لا بحر في بيروت”؟

***

تعبت من الإجابة على السؤال التاريخي:

“من أين أنت”؟.. “من أي بلد”؟

تعبت من إلقاء تحية الصباح بالفرنسية،

والإنكليزية والألمانية والإيطالية والسويدية والبولونية

والسيريلانكية..

أريد أن أعود إلى هناك.. وأحبك هناك..

وأغسل جرحي بالبحر هناك..

من قال “لا بحر في بيروت”؟….

أضف تعليق

Ghada Al-Samman
Ghada Al-Samman
أنا حمامة وديعة ترفرف مزهوة بثوب الحرية الناصع بعيداً..بعيداً وعالياً..عالياً عن دنس الصيادين
//]]>